تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
ولا تتهمّه بالجزاف في القول فإنّ قلبك يسكن إليه ويطمئنّ بخبره بمجرّد السماع وهذا هو الإيمان بمجرّد التقليد وهو مثل إيمان العوام فإنّهم لمّا بلغوا سنّ التمييز سمعوا من آبائهم وامّهاتهم وجود اللَّه تعالى وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته وبعثه الرّسول وصدقه وما جاء به وكما سمعوه قبلوه وثبتوا عليه واطمأنّوا إليه ، ولم يخطر ببالهم خلاف ما قالوه لحسن ظنّهم بآبائهم وامّهاتهم ومعلَّميهم وهذا الإيمان سبب النّجاة في الآخرة وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين وليسوا من المقرّبين لأنّه ليس فيه كشف وبصيرة وانشراح صدر بنور اليقين ، إذ الخطأ ممكن فيما يسمع من الآحاد بل من الأعداد فيما يتعلَّق بالاعتقادات ، فقلوب اليهود والنصارى أيضا مطمئنّة بما سمعوه من آبائهم وامّهاتهم إلا أنّهم اعتقدوا ما اعتقدوه خطأ لأنّهم القي إليهم الخطأ والمسلمون اعتقدوا الحقّ لا لاطَّلاعهم عليه ولكن لأنّهم القي إليهم كلمة الحقّ . الدّرجة الثانية أن تسمع كلام زيد وصوته في الدّار ولكن من وراء جدار فتستدلّ بذلك على كونه في الدّار فيكون إيمانك وتصديقك ويقينك بكونه في الدّار أقوى من تصديقك بمجرّد السّماع ، فإنّك إذا قيل لك : إنّ زيدا في الدّار ، ثمّ سمعت صوته ازددت به يقينا لأنّ الصّوت يدلّ على الشكل والصورة عند من سمع الصوت في حال مشاهدة الصورة ، فقلبه يحكم بأنّ هذا صوت ذلك الشّخص ، فهذا إيمان ممزوج بدليل والخطأ أيضا ممكن أن يتطرّق إليه إذ الصّوت قد يشبه الصّوت وقد يمكن التكلَّف أيضا بطريق المحاكاة إلا أنّ ذلك قد لا يخطر ببال السّامع لأنّه ليس يجعل للتهمّة موضعا ولا يقدر في هذا التلبيس والمحاكاة غرضا ، الدّرجة الثالثة أن تدخل الدّار وتنظر إليه بعينك وتشاهده فهذه هي المعرفة الحقيقيّة ، والمشاهدة اليقينيّة ، وهي تشبه معرفة المقرّبين والصّدّيقين ، لأنّهم يؤمنون عن مشاهدة فينطوي في إيمانهم إيمان العوامّ والمتكلَّمين ويتميّزون عنهم برتبة يستحيل معها إمكان الخطأ نعم وهم أيضا يتفاوتون بمقادير العلوم وبدرجات الكشف ، أما الدّرجات فمثالها أن تبصر زيدا في الدّار عن قرب وفي صحن الدّار في وقت إشراق الشمس فيكمل لك إدراكه ، والآخر تدركه في بيت أو من بعد أو في