وقت عشيّة ، فيتمثّل له من صورته ما يستيقن معه أنّه هو ولكن لا يتمثّل في نفسه الدقايق والخفايا من صورته ، ومثل هذا متصوّر في تفاوت المشاهدة للأمور الإلهيّة ، وأمّا مقادير العلوم فهو بأن يرى في الدّار زيدا وعمرا وبكرا وغير ذلك ، وآخر لا يرى إلا زيدا فمعرفة ذلك تزيد بكثرة المعلومات لا محالة ، فهذه حال القلب بالإضافة إلى العلوم . * ( بيان حال القلب ) * * ( بالإضافة إلى أقسام العلوم العقليّة والدّينية والدّنيوية والأخروية ) * اعلم أنّ القلب بغريزته مستعدّ لقبول حقائق المعلومات كما سبق ولكنّ العلوم الَّتي تحلّ فيه تنقسم إلى عقليّة وإلى شرعيّة ، والعقليّة تنقسم إلى ضروريّة ومكتسبة ، والمكتسبة تنقسم إلى دنيويّة وأخرويّة ، أمّا العقليّة فنعني بها ما يقضي به غريزة العقل ولا تؤخذ بالتقليد والسّماع وهي تنقسم إلى ضروريّة لا تدري من أين حصلت ولا كيف حصلت ، كعلم الإنسان بأنّ الشّخص الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة ، والشّيء الواحد لا يكون حادثا قديما ، موجودا معدوما معا ، فإنّ هذه العلوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبي مفطورا عليها ولا يدرى متى حصلت له ولا من أين حصلت أعني أنّه لا يدرى فيه سببا قريبا وإلا فليس يخفى عليه أنّ اللَّه تعالى هو الَّذي خلقها . وإلى مكتسبة وهي المستفادة بالتعلَّم والاستدلال وكلا القسمين قد يسمّى عقلا ، قال عليّ عليه السّلام : رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع والأوّل هو المراد بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما خلق اللَّه خلقا هو أكرم عليه من العقل » ( 1 ) والثاني هو المراد بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعليّ عليه السّلام : « إذا تقرّب الناس إلى اللَّه تعالى بأنواع البرّ فتقرّب إليه أنت بعقلك » ( 2 ) إذا لا يمكن التقرّب بالغريزة الفطريّة ولا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 29
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩
هامش
( 1 ) تقدم سابقا وأخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول باسناد ضعيف .
( 2 ) راجع الرسالة المعراجية لابن سينا ص 15 وقد تقدم في المجلد الأول .