أنّ الصّورة وراء المرآة ، والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصّورة ، والخامس للجهل بالجهة الَّتي فيها الصّورة المطلوبة رؤيتها حتّى يتعذّر بسببه أن يحاذي بها شطر الصورة وجهتها ، فكذلك القلب مرآة مستعدّة لأن يتجلَّى فيها حقيقة الحقّ في الأمور كلَّها وإنّما خلت القلوب عن العلوم الَّتي خلت عنها بهذه الأسباب الخمسة . أوّلها نقصان في ذات القلب كقلب الصبيّ فإنه لا يتجلَّى له المعلومات لنقصانه . والثاني لكدورة المعاصي والخبث الَّذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات ، فإنّ ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحقّ فيه بقدر ظلمته وتراكمه وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » ( 1 ) أي حصلت في قلبه كدورة لا يزول أثرها أبدا إذ غايته أن يتبع الذّنب بحسنة تمحوه بها فلو « جاء بالحسنة » ولم تتقدّم السيّئة لازداد لا محالة إشراق القلب فلمّا تقدّمت السيّئة سقطت فائدة الحسنة لكن عاد القلب بها إلى ما كان قبل السيّئة ولم يزدد بها نورا وهذا خسران مبين ونقصان لا محالة ، فليست المرآة الَّتي تتدنّس ثمّ تمسح بالمصقلة كالَّتي لم تتدنّس أصلا وتمسح بالمصقلة لزيادة جلائها من غير دنس سابق ، فالإقبال على طاعة اللَّه والإعراض عن مقتضى الشّهوات هو الَّذي يجلو القلب ويصفيه ولذلك قال تعالى : « والَّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا » ( 2 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من عمل بما علم ورّثه اللَّه علم ما لم يعلم » ( 3 ) . والثالث أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة ، فإنّ قلب المطيع الصالح وإن كان صافيا فإنّه ليس يتّضح فيه جليّة الحقّ لأنّه ليس يطلب الحقّ ولا يحاذي بمرآته شطر المطلوب ، بل ربّما يكون مستوعب الهمّ بتفصيل الطاعات البدنيّة أو بتهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمّل في حضرة الرّبوبيّة والحقايق الخفيّة الإلهيّة فلا ينكشف له إلا ما هو متفكَّر فيه من دقايق آفات الأعمال وخفايا عيوب النّفس إن كان متفكَّرا فيها أو في مصالح المعيشة إن كان متفكَّرا فيها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 24
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أر له أصلا .
( 2 ) العنكبوت : 69 .
( 3 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس كما في المغني وقد تقدم .