تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣

وإنّما قال : إلى يوم القيامة لأنّ القلب بهذا المعنى لا يخرب بخراب البدن . قال أبو حامد : وعن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر ، وقلب الكافر أسود منكوس » ( 1 ) فطاعة اللَّه تعالى بمخالفة الشّهوات مصقلة للقلب ومعاصيه مسوّدات له ، فمن أقبل على المعاصي اسودّ قلبه ، ومن أتبع السيّئة الحسنة ومحى أثرها لم يظلم قلبه ولكن ينقص نوره كالمرآة الَّتي يتنفّس فيها ، ثمّ تمسح ثمّ يتنفّس ، ثمّ تمسح فإنّها لا تخلو عن كدورة ، قال اللَّه تعالى : « إنّ الَّذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون » ( 2 ) فأخبر أنّ جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر وأنّه لا يتمكَّن منه إلا الَّذين اتّقوا ، فالتقوى باب الذّكر ، والذكر باب الكشف ، والكشف باب الفوز الأكبر وهو الفوز بلقاء اللَّه تعالى . * ( بيان مثال القلب بالإضافة إلى العلوم خاصة ) * اعلم أنّ محلّ العلم هو القلب وأعني بالقلب اللَّطيفة المدبّرة لجميع الجوارح المطاعة المخدومة من جميع الأعضاء وهي بالإضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلوّنات فكما أنّ للمتلوّن صورة ومثال تلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل بها فكذلك لكلّ معلوم حقيقة ولتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب وتتّضح فيها وكما أنّ المرآة غير ، وصور الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير . فهي ثلاثة أمور فكذلك ههنا ثلاثة أمور : القلب ، وحقائق الأشياء ، وحصول نفس الحقائق في القلب وحضورها فيه . فالعالم عبارة عن القلب الَّذي يحلّ فيه مثال حقائق الأشياء ، والمعلوم عبارة عن حقائق الأشياء ، والعلم عبارة عن حصول العلم في القلب كحصول المثال في المرآة ، فكما أنّ المرآة لا تنكشف فيها الصّور لخمسة أمور : أحدها نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدوّر ويشكَّل ويصقّل ، والثاني لخبثها وصدأها وكدورتها وإن كانت تامّة الشكل ، والثالث لكونها معدولا بها عن جهة الصّورة إلى غيرها كما

هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ج 3 ص 17 عن أبي سعيد الخدري .
( 2 ) الأعراف : 201 .