تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧

ولا غلّ ولا حسد » ( 1 ) ولذلك قال عليّ عليه السّلام : ( 2 ) رأى قلبي ربّي . إذا كان قد رفع الحجاب بالتّقوى ومن ارتفع الحجاب بينه وبين ربّه تجلَّى صورة الملك والملكوت في قلبه فيرى جنّة عرض بعضها كعرض السّماوات والأرض ، وأما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض لأنّ السماوات والأرض عبارة عن عالم الملك والشّهادة ، وهو وإن كان واسع الأطراف متباعد الأكناف فهو متناه على الجملة وأمّا عالم الملكوت وهي الأسرار الغايبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بإدراك البصائر ، فلا نهاية لها نعم الَّذي يلوح القلب منه مقدار متناه ، ولكنّه في نفسه وبالإضافة إلى علم اللَّه تعالى فلا نهاية له ، وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة تسمّى الحضرة الرّبوبيّة لأنّ الحضرة الرّبوبيّة محيطة بكلّ الموجودات ، إذ ليس في الوجود شيء سوى اللَّه تعالى وأفعاله ومملكته وعبيده من أفعاله ، فما يتجلَّى من ذلك للقلب هو الجنّة بعينها عند قوم ، وهو سبب استحقاق الجنّة عند أهل الحقّ ، ويكون سعة ملكه في الجنّة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما تجلَّى له من اللَّه سبحانه وصفاته وأفعاله وإنّما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلَّها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه وقد أفلح من زكَّاه ، ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه أعني إشراق نور المعرفة ، وهو المراد بقوله تعالى : « فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام » ( 3 ) وبقوله : « أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه » ( 4 ) نعم هذا التجلَّي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب : المرتبة الأولى إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض ، والثاني إيمان المتكلَّمين وهو ممزوج بنوع استدلال ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام السابقة ، والثالث إيمان العارفين وهو المشاهدة بنور اليقين ، ويتبيّن لك هذه المراتب بمثال وهو أنّ تصديقك بكون زيد مثلا في الدّار له ثلاث درجات : الأولى أن يخبرك به من جرّبته بالصدق ولم تعرفه بالكذب

هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في السنن بسند صحيح تحت رقم 4216 و « مخموم القلب » بالمعجمة هو النقي الذي لا غل فيه ولا حسد ، وهو من خممت البيت إذا كنسته .
( 2 ) في الاحياء « قال عمر » .
( 3 ) الانعام : 125 .
( 4 ) الزمر : 22 .