تبدي المساوي ، ولعلّ انتفاع الإنسان بعدوّ مشاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه إلا أنّ الطبع مجبول على تكذيب العدوّ ، وحمل ما يقوله على الحسد ، ولكنّ البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإنّ مساويه لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم . الطريق الرابع أن يخالط الناس فكلّ ما يراه مذموما فيما بين الخلق فيطالب نفسه بتركه ، وما يراه محمودا يطالب نفسه به وينسب نفسه إليه ، فإنّ المؤمن مرآة المؤمن فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه ، وليعلم أنّ الطباع متقاربة في اتّباع الهوى فما يتّصف به واحد من الأقران لا ينفكّ القرين الآخر من أصله ، أو عن أعظم منه ، أو عن شيء منه ، فيتفقّد نفسه ويطهّرها عن كلّ ما يذمّه من غيره ، وناهيك بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلَّهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدّب ، قيل لعيسى عليه السّلام : من أدّبك ؟ فقال : « ما أدّبني أحد ، رأيت جهل الجاهل فجانبته » وهذا كلَّه حال من فقد شيخا زكيّا عارفا بصيرا بعيوب النّفس ، مشفقا ناصحا في الدّين ، فارغا عن تهذيب نفسه ، مشغولا بتهذيب عباد اللَّه ناصحا لهم ، فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب فليلازمه فهو الَّذي يخلَّصه من مرضه ، وينجيه من الهلاك الَّذي هو بصدده . * ( بيان شواهد النقل من أرباب البصائر ) * وشواهد الشرع على أنّ الطريق في معالجة أمراض القلوب بترك الشهوات وأنّ مادة أمراضها هي اتّباع الشهوات اعلم أنّ ما ذكرناه إن تأمّلته بعين الاعتبار انفتحت بصيرتك وانكشفت لك علل القلوب وأمراضها وأدويتها بنور العلم واليقين ، فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق والإيمان على سبيل التلقّي والتقليد لمن يستحقّ التقليد فإنّ للإيمان درجات كما أنّ للعلم درجات والعلم يحصل بعد الإيمان وهو وراءه ، قال اللَّه تعالى : « يرفع الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العلم درجات » ( 1 ) فمن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 114
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٤
هامش
( 1 ) المجادلة : 11 .