الأوّل أن يجلس بين يدي بصير بعيوب النفس ، مطلع على خفايا الآفات ويحكَّمه على نفسه ويتّبع إشارته في مجاهدته ، وهذا قد عزّ في هذا الزّمان وجوده . الثاني أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متديّنا فينصبه رقيبا على نفسه ليراقب أحواله وأفعاله ، فما يكرهه من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبّهه عليه ، فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين كان بعضهم يقول : « رحم اللَّه امرء أهدى إليّ عيوبي » ( 1 ) ، وكلّ من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا كان أقلّ إعجابا وأعظم اتّهاما لنفسه ، إلا أنّ هذا أيضا قد عزّ ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب ، فلا يخلو أصدقاؤك عن حسود ، أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا ، أو عن مداهن يخفي عنك بعض عيوبك ، لهذا كان داود الطائيّ قد اعتزل عن الناس فقيل له : لم لا تخالط الناس ؟ قال : ما ذا أصنع بأقوام يخفون عنّي ذنوبي . فقد كانت شهوة ذوي الدّين أن ينبّهوا على عيوبهم بنصيحة غيرهم ، وقد آل الأمر إلى أمثالنا وأبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرّفنا عيوبنا ويكاد أن يكون هذا مفصحا عن ضعف الإيمان فإنّ الأخلاق السيّئة حيّات وعقارب لدّاغة ولو نبّهنا منبّه على أنّ تحت ثوبنا عقربا لتقلَّدنا منه منّة وفرحنا به واشتغلنا بإبعاد العقرب وقتلها ، وإنّما نكايتها على البدن ويدوم ألمها يوما فما دونه ، ونكاية الأخلاق الرّديّة على صميم القلب ، وعسى أن يدوم بعد الموت أبدا أو آلافا من السنين ، ثمّ إنّا لا نفرح بمن ينبّهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثله ونقول أنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ويشبه أن يكون هذا من قساوة القلب الَّتي أثمرته كثرة الذّنوب ، وأصل كلّ ذلك من ضعف الإيمان ، فنسأل اللَّه تعالى أن يعرّفنا رشدنا ، ويبصّرنا بعيوب أنفسنا ، ويشغلنا بمداواتها ويوفّقنا للقيام بشكر من يطَّلعنا على مساوينا بمنّه وفضله . الطريق الثالث أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من لسان أعدائه فإنّ عين السخط
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 113
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٣
هامش
( 1 ) راجع تحف العقول ص 366 .