نزع الرّوح من البدن ، وإن وجد من نفسه قوّة الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه ، فإنّ الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلَّما يلتفت إلى علاجه ، فلهذا صار الدّاء عضالا والمرض مزمنا واندرس هذا العلم وأنكر بالكلَّيّة طبّ القلوب وأنكر مرضها وأقبل الخلق على حبّ الدّنيا وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومرايات ، فهذه علامة أصل المرض .
فأمّا علامة عوده إلى الصحّة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلَّة الَّتي يعالجها فإن كان يعالج داء البخل وهو المهلك المبعد عن اللَّه فإنّما علاجه ببذل المال وإنفاقه ، ولكنّه قد يبذل المال إلى حدّ يصير به مبذّرا ، فيكون التبذير أيضا داء ، ويكون كمن يعالج البرودة بالحرارة حتّى تغلب الحرارة ، فهو أيضا داء ، بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة ، فكذلك المطلوب الاعتدال بين التقتير والتبذير حتّى يكون على الوسط من ذلك وفي غاية البعد عن الطرفين ، فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الَّذي يوجبه الخلق المذموم ، فإن كان أسهل عليك وألذّ من الَّذي يضادّه فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له ، مثل أن يكون إمساكك المال وجمعه ألذّ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقّه فاعلم أنّ الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل فان صار البذل على غير المستحقّ ألذّ عندك وأخفّ عليك من الإمساك بالحقّ فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك ، ولا تزال تراقب نفسك وتستدلّ على خلقك بتيسّر الأفعال وتعسّرها حتّى تنقطع علاقة قلبك عن المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه بل يصير عندك كالماء فلا تطلب منه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج ، ولا يترجّح عندك البذل على الإمساك ولا الإمساك على البذل ، فكلّ قلب صار كذلك فقد أتى اللَّه بقلب سليم عن هذا المقام خاصّة ، ويجب أن يكون سليما عن سائر الأخلاق حتّى لا يكون له علاقة بشيء ممّا يتعلَّق بالدّنيا حتّى ترتحل النفس عن الدّنيا منقطعة العلائق عنها غير ملتفتة إليها ولا متشوّقة إلى أسبابها فعند ذلك ترجع إلى ربّها رجوع النفس المطمئنّة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد اللَّه من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 111
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١١