تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢

النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، ولمّا كان الوسط الحقيقيّ بين الطرفين في غاية الغموض بل هو أدقّ من الشعر وأحد من السيف ، فلا جرم من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدّنيا جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة ، وقلَّما ينفكّ العبد عن ميل عن الصراط المستقيم أعني الوسط حتّى لا يميل إلى أحد الجانبين فيكون قلبه متعلَّقا بالجانب الَّذي مال إليه ، فلذلك لا ينفكّ عن عذاب ما واجتياز على النار ، وإن كان مثل البرق قال اللَّه تعالى : « وإن منكم إلا واردها كان على ربّك حتما مقضيّا . ثمَّ ننجّي الَّذين اتّقوا » ( 1 ) أي الَّذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه ، ولأجل عسر الاستقامة وجب على كلّ عبد أن يدعو اللَّه سبحانه في كلّ يوم سبع عشر مرّة بقوله : « اهدنا الصراط المستقيم » إذ قد وجبت قراءة فاتحة الكتاب في كلّ ركعة ، فرأى بعضهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في المنام ( 2 ) فقال : قد قلت : يا رسول اللَّه « قد شيّبتني سورة هود » فلم قلت ذلك ؟ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لقوله تعالى : « فاستقم كما أمرت » ( 3 ) فالاستقامة على سواء الطريق في غاية الغموض . ولكن ينبغي أن يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقة الاستقامة ، فكلّ من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح ولا تصدر الأعمال الصّالحة إلا عن الأخلاق الحسنة فليتفقّد كلّ عبد صفاته وأخلاقه وليعدّدها وليشتغل بعلاج واحد واحد منها على الترتيب . * ( بيان الطريق الذي به يعرف الإنسان عيوب نفسه ) * اعلم أنّ اللَّه تعالى إذا أراد بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه ، فمن كملت بصيرته لم تخف عليه عيوبه وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه ، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه فله أربع طرق :

هامش
( 1 ) مريم : 71 و 72 .
( 2 ) راجع تفسير الكشاف ج 2 ص 227 ذيل الآية .
( 3 ) هود : 113 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 112 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري