قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ الرّجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم » ( 1 ) . ودعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول في منزله فلما سمع حضر وكان قد تفرّقوا وفرغوا فخرج إليه صاحب الدّار ، وقال : قد خرج القوم ، قال : هل بقيت بقيّة ؟ قال : لا ، قال : فكسرة إن بقيت ؟ فقال : لم تبق ، قال : فالقدور أمسحها ؟ قال : قد غسلناها فانصرف يحمد اللَّه تعالى ، قال : فقيل له في ذلك ، فقال : قد أحسن الرّجل دعانا بنيّة وردّنا بنيّة ، فهذا هو المعنى في التواضع وحسن الخلق . وحكي أنّ الأستاذ أبا القاسم الجنيد دعاه صبيّ إلى دعوة أبيه أربع مرّات فردّه الأب في المرّات الأربع وهو يرجع في كلّ مرّة تطييبا لقلب الصبيّ في الحضور ولقلب الأب في الانصراف ، فهذه نفوس قد ذلَّلت بالتواضع للَّه فاطمأنّت بالتوحيد وصارت صاحبها يشاهد في كلّ ردّ وقبول عبرة فيما بينه وبين ربّه فلا ينكسر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا يستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكلّ من الواحد القهّار ولذلك قال بعضهم : إنّي لا أجيب الدّعوة إلا لأنّي أتذكَّر بها طعام الجنّة أي هو طعام طيّب يحمل عنّا كدّه ومؤونته وحسابه . الثالث أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعي قلبه في مقدار الإقامة وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على قدر ثلاثة أيّام فربما يتبرّم به ويحتاج إلى إخراجه قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الضيافة ثلاثة أيّام فما زاد فصدقة » [ 1 ] نعم لو ألحّ ربّ المنزل علي جلوسه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك » . أقول : ومن طريق الخاصّة ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الضيافة أوّل يوم والثاني والثالث ، وما بعد ذلك فهو صدقة تصدّق بها عليه ، قال : ثمّ قال : ولا ينزل أحدكم على أخيه حتّى يؤثمه معه ، قيل : يا رسول اللَّه كيف يؤثمه ؟ قال : حتّى لا يكون عنده ما ينفق عليه [ 2 ] » .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 45
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٥
هامش
( 1 ) الكافي ج 2 باب حسن الخلق ص 99 .
[ 1 ] أخرجه الترمذي في صحيحه ج 8 ص 145 في حديث وقال : حسن صحيح .
[ 2 ] وثمه يثمه : دقه وكسره وما أوثمها ما أقل رعيتها ( القاموس ) وقوله عليه السّلام : يوثمه أي يوقعه في التعب والمشقة والتكلف في الإنفاق . وقد يقرء يؤثمه من الأنسة فيكون تفسيرا باللازم . والخبر في المصدر ج 6 ص 283 . وروى نحوه مسلم في صحيحه ج 5 ص 138 .