واعلم أنّه ليس حقّ الجوار كفّ الأذى فقطَّ بل لا بدّ من الرفق وإسداء الخير والمعروف ، إذ يقال : إنّ الجار الفقير يتعلَّق بجاره الغنيّ يوم القيامة ويقول : يا ربّ سل هذا لم منعني معروفه وسدّ بابه دوني . وبلغ ابن المقفّع أنّ جارا له يبيع داره في دين ركبه وكان يجلس في ظلّ داره فقال : ما قمت إذن بحرمة ظلّ داره أن باعها معدما فدفع إليه ثمن الدّار وقال : لاتبعها . وجملة حقّ الجار أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام ولا يكثر عن حاله السؤال ، ويعوده في المرض ، ويعزّيه في المصيبة ويقوم معه في العزاء ، ويهنّئه في الفرح ويظهر الشركة في السرور معه ، ويصفح عن زلاته ، ولا يتطلَّع من السطح إلى عوراته ، ولا يضايقه في وضع الجذع علي جداره ، ولا في صبّ الماء من ميزابه ، ولا في مطرح التراب في فنائه ، ولا يضيق طريقه إلى الدّار ، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره ويستر ما ينكشف له من عوراته ، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة ، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ، ولا يتسمّع عليه كلامه ، ويغضّ بصره عن حرمته ، ولا يديم النّظر إلى خادمته ، ويتلطَّف لولده في كلمته ، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه ، هذا إلى جملة الحقوق الَّتي ذكرناها للمسلمين عامّة » . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أتدرون ما حقّ الجار ؟ إن استعان بك أعنته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن افتقر عدت إليه ، وإن مرض عدته ، وإن مات أتبعت جنازته ، وإن أصابه خير هنّأته ، وإن أصابه مصيبة عزّيته ، ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الرّيح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرّا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، ثمّ قال : أتدرون ما حقّ الجار ؟ والَّذي نفسي بيده لا يبلغ حقّ الجار إلا من رحمه اللَّه » ( 1 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 424
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٢٤
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير بسند فيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف عن معاوية بن حيدة . ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل راجع المغني ومجمع الزوائد ج 8 ص 164 .