تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
وأمّا اليدان فبأن لا يقبضهما عن مؤونتهم في كلّ ما يتعاطى باليد . وأمّا الرجلان فبأن يمشي وراءهم مشي الأتباع لا مشي المتبوعين ، ولا يتقدّمهم إلا بقدر ما يقدّمونه ، ولا يقرب منهم إلا بقدر ما يقرّبونه ، ويقوم لهم إذا أقبلوا ولا يقعد إلا بقعودهم ويقعد [ متواضعا ] حيث يقعده . ومهما تمّ الاتّحاد خفّت جملة من هذه الحقوق مثل القيام والاعتذار والثناء فإنّها من حقوق الصحبة وفي ضمنها نوع من الأجنبيّة والتكلَّف ، فإذا تمّ الاتّحاد انطوى بساط التكلَّف بالكلَّيّة ولا يسلك به إلا مسلك نفسه لأنّ هذه الآداب الظاهرة عنوان آداب الباطن وصفاء القلب ومهما عرفت القلوب استغنى عن تكلَّف إظهار ما فيها ، ومن كان نظره إلى صحبة الخلق فتارة يعوج وتارة يستقيم ، ومن كان نظره إلى الخالق لزم الاستقامة ظاهرا وباطنا ، وزيّن باطنه بالحبّ للَّه تعالى ولخلقه ، وزيّن ظاهره بالعبادة للَّه تعالى والخدمة لعباده ، فإنّها أعلى أنواع الخدمة إذ لا وصول إليها إلا بحسن الخلق ويدرك العبد بحسن خلقه درجة الصائم القائم وزيادة . * ( خاتمة لهذا الباب ) * يذكر فيها جملة من آداب المعيشة والمجالسة مع أصناف الخلق ملتقطة من كلام بعض الحكماء . إذا أردت حسن المعيشة فالق صديقك وعدوّك بوجه الرضا من غير ذلَّة لهم ولا هيبة منهم وتوقير من غير كبر وتواضع في غير مذلَّة ، وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلتا طرفي قصد الأمور ذميم ، ولا تنظر في عطفيك ، ولا تكثر الالتفات ، ولا تقف على الجماعات وإذا جلست فلا تستوفز وتحفّظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال يدك في أنفك وكثرة بصاقك ، وتنخّمك وطرد الذّباب عن وجهك وكثرة التمطَّي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وفي غيرها وليكن مجلسك هاديا وحديثك منظوما مرتّبا وأصغ إلى الكلام أحسن بمن حدّثك بغير إظهار تعجّب مفرط ولا تسأله إعادته ، واسكت عن المضاحك