فعلت ذلك أصبت بركة العيش وحلاوة الطاعة فإنّ في المشورة تعبا ، والعاقل من يستفيد منها علما جديدا ويستدلّ به على المحصول من المراد ، ومثل المشورة مع أهلها مثل التفكَّر في خلق السماوات والأرض وفنائهما وهما غيبان عن العبد لأنّه كلَّما قوي تفكَّره فيهما وغاص في بحر نور المعرفة ازداد بهما اعتبارا ويقينا ، ولا تشاور من لا يصدّقه عقلك وإن كان مشهورا بالعقل والورع ، وإذا شاورت من يصدّقه قلبك فلا تخالفه فيما يشير به عليك وإن كان بخلاف مرادك فإنّ النفس تجمح عند قول الحقّ وخلافها عند الحقائق أبين » . قال أبو حامد : « فهذا جامع حقوق الصحبة وقد أجملناه مرّة وفصّلناه أخرى ولا يتمّ ذلك إلا بأن تكون على نفسك للإخوان ولا تكون لنفسك عليهم وأن تنزّل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيّد بحقوقهم جميع جوارحك . أمّا البصر فبأن تنظر إليهم نظر مودّة يعرفونها منك وتنظر إلى محاسنهم وتتعامى عن عيوبهم ولا تصرف بصرك عنهم في وقت أقبالهم عليك وكلامهم معك ، روي أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « كان يعطي كلّ من جلس إليه نصيبا من وجهه » ( 1 ) وما إستصغاه أحد إلا ظنّ أنّه أكرم الناس عليه حتّى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف مسألته وتوجّهه للجالس إليه وكان مجلسه مجلس حياء وتواضع وأمانة وكان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أكثر الناس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجّبا ممّا حدّثوا به وكان ضحك أصحابه عنده التبسّم اقتداء منهم بفعله وتوقيرا له . وأمّا السمع فبأن تسمع كلامهم متلذّذا بسماعه ومصدّقا به ومظهرا للاستبشار ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادّة ومنازعة ومداخلة وإعراض فإن أرهقك عارض اعتذرت إليهم وتحرس سمعك عن سماع ما يكرهون . وامّا اللَّسان فقد ذكرنا حقوقه فإنّ القول فيه يطول ومن ذلك أن لا يرفع صوته عليهم ، ولا يخاطبهم إلا بما يفهمون .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 349
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٩
هامش
( 1 ) في الكافي ج 2 ص 671 باسناده « كان رسول اللَّه عليه وآله يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية » .