والقدح في الملك والتعرّض للحرم . ولا تجالس العامّة فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلَّة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عمّا يجري في سوء ألفاظهم وقلَّة اللَّقاء لهم مع الحاجة إليهم . وإيّاك وأن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإنّ اللَّبيب يحقد عليك والسفيه يجترئ عليك لأنّ المزاح يخرق الهيبة ، ويسقط ماء الوجه ويعقّب الحقد ، ويذهب بحلاوة الودّ ، ويشين فقه الفقيه ، ويجرئ السفيه ، ويسقط المنزلة عند الحكيم ، ويمقته المتقّون ، وهو يميت القلب ، ويباعد عن الرّب ، ويكسب الغفلة ، ويورث الذّلَّة ، وبه تظلم السرائر ، ويموت الخواطر ، وبه يكثر العيوب ويبين الذّنوب . وقد قيل : لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر ، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر اللَّه تعالى عند قيامه . قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : « سبحانك اللَّهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك » غفر له ما كان في مجلسه ذلك » ( 1 ) . * ( الباب الثالث ) * * ( في حق المسلم والرّحم والجوار والملك وكيفية المعاشرة مع من يدلى بهذه الأسباب ) * اعلم أنّ الإنسان إمّا أن يكون مع غيره أو وحده وإذا تعذّر عيش الإنسان وحده ولم يتمّ إلا بمخالطة من هو من جنسه لم يكن له بدّ من تعلَّم آداب المخالطة ، وكلّ مخالط ففي مخالطته أدب والأدب على قدر حقّه وحقّه على قدر رابطته الَّتي بها وقعت المخالطة ، والرابطة إمّا القرابة وهي أخصّها أو أخوّة الإسلام وهي أعمّها وإمّا الجوار وإمّا صحبة السفر أو المكتب أو الدرس وإمّا الصداقة والأخوّة فلكلّ من هذه الروابط درجات فالقرابة لها حقّ ولكن حقّ الرحم المحرم آكد ، وللمحرم حقّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 352
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥٢
هامش
( 1 ) أخرجه ابن المسنى في عمل اليوم والليلة ص 120 من حديث أبي هريرة .