مغيبه كذلك . قال بعضهم : ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصوّرته جالسا فقلت فيه ما يحبّ أن يسمع لو حضر . وقال آخر : ما ذكر أخ لي إلا تصوّرت نفسي في صورته فقلت فيه مثل ما أحبّ أن يقال فيّ ، وهذا من صدق الإسلام وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه . نظر أبو الدّرداء إلى ثورين يحرثان في فدّان فوقف أحدهما يحكّ جسمه فوقف الآخر ، فبكى وقال : هكذا الإخوان في اللَّه يعملان للَّه فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر . وبالموافقة يتمّ الإخلاص ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق والإخلاص استواء الغيب والشهادة واللَّسان والقلب والسرّ والعلانية والجماعة والخلوة ، والاختلاف والتفاوت في شيء من ذلك ممازقة في المودّة وهو دخل في الدين ووليجة ( 1 ) في طريق المؤمنين ، ومن لا يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع والعزلة أولى به من المؤاخاة والمصاحبة ، فإنّ حقّ الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقّق ولا جرم أجره جزيل لا يناله إلا موفّق ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما أو أحسن مصاحبة من صاحبك تكن مؤمنا » فانظر كيف جعل الإيمان جزاء الصحبة ، والإسلام جزاء الجوار ، والفرق بين فضل الإيمان وفضل الإسلام على حدّ الفرق بين المشقّة في القيام بحقّ الجوار والقيام بحقّ الصحبة ، فإنّ الصحبة تقتضي حقوقا كثيرة في أحوال متفاوتة مترادفة بل على الدّوام ، والجوار لا يقتضي إلا حقوقا قريبة في أوقات متباعدة لا تدوم ، ومن ذلك التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقلّ من حاجته إلى المال فإن كنت غنيّا بالعلم فعليك مواساته من فضلك وإرشاده إلى كلّ ما ينفعه في الدين والدنيا فإن علَّمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك نصحه ، وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 333
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣٣
هامش
( 1 ) الوليجة : الدخيلة ، بطانة الإنسان وخاصته أو من يتخذه معتمدا عليه من غير أهله .
( 2 ) أخرج شطره الأول ابن ماجة تحت رقم 4217 في حديث باسناد حسن عن أبي هريرة وفيه « مؤمنا » وقال العراقي : رواه القضاعي في مسند الشهاب بلفظ المصنف .