تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠

وقال بعض السلف من لاحا الإخوان وما رآهم قلَّت مروءته ، وذهبت كرامته . وقال عبد اللَّه بن الحسن إيّاك ومماراة الرجال فإنّك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم ، وقال بعض السلف : أعجز الناس من قصّر في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم . وكثرة المماراة توجب التضييع والقطيعة وتورث العداوة ، وعلى الجملة فلا باعث على المماراة إلا إظهار التمييز بمزيد العقل والفضل واحتقار المردود عليه بإظهار جهله وهذا يشتمل على التكبّر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق والجهل ولا معنى للمعاداة إلا هذا فكيف تضامّه الأخوّة والمصافاة وقد روى ابن عبّاس عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه » ( 1 ) . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق » ( 2 ) . والمماراة مضادّة لحسن الخلق . [ وقد انتهى السلف في الحذر عن المماراة إلى حدّ لم يروا السؤال أصلا ، وقالوا : إذا قلت لأخيك : قم فقال إلى أين فلا تصحبه بل قالوا : ينبغي أن يقوم ولا يسأل . وقال سليمان الداراني : كان لي أخ بالعراق وكنت أجيئه في النوائب فأقول : أعطني من مالك شيئا ، فكان يلقي إليّ كيسه فآخذ ما أريد فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى شيء ، فقال : كم تريد ؟ فخرجت حلاوة إخائه عن قلبي ، وقال آخر : إذا طلبت من أخيك مالا وقال ما ذا تصنع به فقد ترك حقّ الإخاء ] . واعلم أنّ قوام الأخوّة بالموافقة في الكلام والفعل والشفقة ، قال أبو عثمان الحيري : موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم وهو كما قال . الحق الرابع على اللَّسان بالنطق فإنّ الأخوّة كما تقتضي السكوت عن المكاره فتقتضي أيضا النطق بالمحابّ بل هو أخصّ بالأخوّة لأنّ من قنع بالسكوت

هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ج 8 ص 160 .
( 2 ) أخرجه الحاكم ج 1 ص 124 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 330 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري