وعند طمعه وهواه ، بل ينبغي أن يكون صدق الأخوّة ثابتا عند اختلاف هذه الأحوال ولذلك قيل : وترى الكريم إذا تصرّم وصله * يخفي القبيح ويظهر الإحسانا وترى اللَّئيم إذا تقضّى وصله * يخفي الجميل ويظهر البهتانا ومن ذلك السكوت عن المماراة والمدافعة في كلّ ما يتكلَّم به أخوك قال ابن عبّاس : لا تمار سفيها فيؤذيك ولا حليما فيقليك . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من ترك المراء وهو مبطل بني اللَّه له بيتا في ربض الجنّة ومن ترك المراء وهو محقّ بني له بيت في أعلى الجنّة » ( 1 ) هذا مع أنّ تركه مبطلا واجب وقد جعل ثواب النفل أعظم لأنّ السكوت على الحقّ أشدّ على النفس من السكوت على الباطل ، وإنّما الأجر على قدر النصب وأشدّ الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمناقشة فانّها عين التدابر والتقاطع فإنّ التقاطع يقع أوّلا بالآراء ثمّ بالأقوال ثمّ بالأبدان . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يحرمه ، ولا يخذله ، بحسب المرء من الشرّ أن حقّر أخاه المسلم » ( 2 ) وأشدّ الاحتقار المماراة فإن من ردّ على غيره كلامه فقد نسبه إلى الجهل والحمق أو إلى الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه وكلّ ذلك استخفاف وإيغار للصدر وإيحاش . وفي حديث أبي أمامة الباهليّ قال : « خرج علينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ونحن نتمارى فغضب فقال : ذروا المراء لقلَّة خيره ، ذروا المراء فإنّ نفعه قليل وإنّه يهيّج العداوة بين الإخوان » ( 3 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 329
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٩
هامش
( 1 ) رواه البزار والطبراني في معاجيمه الثلاثة كما في الترغيب ج 1 ص 131 بنحوه وقد تقدم في المجلد الأول .
( 2 ) راجع صحيح البخاري ج 8 ص 23 وصحيح مسلم ج 8 ص 10 والكافي ج 2 ص 167 والترغيب ج 3 ص 566 . ومسند أحمد ج 5 ص 25 .
( 3 ) رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك إلى قوله : « لقلة خيره » كما في الترغيب ج 1 ص 131 ومن هنا إلى آخر الحديث رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي أمامة كما في المغني .