فليأكل ولا يسأل إذ السؤال إيذاء وهتك ستر وإيحاش وهو حرام بلا شكّ . فإن قلت : لعلَّه لا يتأذّى ، فأقول لعلَّه يتأذّى وأنت تسأل حذرا من لعلّ فإن قنعت بلعلّ فلعلّ ماله حلال وليس الإثم المحذور في إيذاء المسلم بأقلّ من الإثم في أكل الشبهة أو الحرام ، والغالب على الناس الاستيحاش بالتفتيش ولا يجوز له أن يسأل عن غيره من حيث يدري هو به لأنّ الإيذاء في ذلك أكثر وإن سأل من حيث لا يدري هو ففيه إساءة ظنّ وهتك ستر وفيه تجسّس وفيه تسبيب بالغيبة وإن لم يكن صريحا ، وكلّ ذلك منهيّ عنه في آية واحدة قال اللَّه تعالى : « اجتنبوا كثيرا من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ( 1 ) » وكم من زاهد جاهل يوحش القلوب بالتفتيش ويتكلَّم بالكلام الخشن المؤذي ، وإنّما يحسّن الشيطان عنده ذلك طلبا للشهرة بأكل الحلال ولو كان باعثه محض الدّين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذّى أشدّ من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري وهو غير مؤاخذ بما لا يدري إذا لم يكن ثمّة علامة توجب الاجتناب ، فليعلم أنّ طريق الورع الترك دون التجسّس وإذا لم يكن بدّ من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظنّ ، هذا هو المألوف من الصحابة ومن زاد عليهم في الورع فهو ضالّ مبتدع وليس بمتبّع فليس يبلغ أحد مدى حدّهم ولا نصيفه ولو أنفق ما في الأرض جميعا ، وكيف وقد أكل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم طعام بريرة فقيل : إنّه صدقة فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : هو لها صدقة ولنا هديّة [ 1 ] ولم يسأل عن المتصدّق عليها وكان المتصدّق مجهولا عنده ولم يمتنع . الحالة الثانية أن يكون مشكوكا فيه بسبب دلالة أورثت ريبة فلنذكر صورته ثمّ حكمه ، أمّا الصورة فهو أن تدلّ على تحريم ما في يده دلالة إمّا من خلقته ، وإمّا من زيّه وثيابه ، أو من فعله وقوله . أمّا الخلقة فبأن يكون على خلقة الأتراك والبوادي والمعروفين بالظلم وقطع الطريق ، وأن يكون طويل الشارب ، وأن يكون الشعر مفرّقا على رأسه على دأب أهل الظلم والفساد .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 238
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٨
هامش
( 1 ) الحجرات : 12 .
[ 1 ] تقدم الخبر في المجلد الثاني .