بل إنّما عدّ من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلا ولا يجعله دينا بل يقول :
خذ ما تريد فان يسّر اللَّه لك فاقض وإلا فأنت في حلّ منه وسعة ، فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست والقائم بذلك محيي لهذه السنّة .
وبالجملة فالتجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه ولذلك قيل :
لا يغرنّك من المرء قميص رقعه * أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه
أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه * ولدي الدرهم فانظر غيّه أو ورعه
ولذلك قيل : إذا أثنى على رجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا تسألوا عن صلاحه .
وشهد شاهد عند بعضهم قال : ائتني بمن يعرفك فأتى برجل فأثنى عليه خيرا فقال له : أنت جاره الأدنى الَّذي تعرف مدخله ومخرجه ؟ فقال : لا فقال : كنت رفيقه في السفر الَّذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا ، قال : عاملته بالدرهم والدينار الَّذي يستبين به ورع الرجل ؟ فقال : لا ، قال : أظنّك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى ؟ قال : نعم ، قال : اذهب فلست تعرفه ، وقال للرجل : ائتني بمن يعرفك .
* ( الباب الخامس ) *
( في شفقة التاجر على دينه فيما يخصّه ويعمّ آخرته )
لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضايعا وصفقته خاسرة وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما يناله في الدنيا فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة ، بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه وشفقته على نفسه بحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته فيه .
قال بعض السلف أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل وأحوج شيء إليه في العاجل ما هو عون له على تجارة الآجل ، وقال اللَّه تعالى : « ولا تنس نصيبك من الدنيا » أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها في الآخرة فإنّها مزرعة الآخرة وفيها يكتسب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 190
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٠