وروي في فضل ترك الاحتكار عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « من جلب طعاما فباعه بسعر يومه فكأنّما تصدّق به » وفي لفظ آخر « فكأنّما أعتق رقبة » [ 1 ] . وقيل في قوله تعالى : « ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم » إنّ الاحتكار من الظلم الداخل تحته في الوعيد ( 1 ) . وروي عن بعض السلف أنّه كان بواسط فجهّز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله : بع هذا الطعام يوم تدخل البصرة ولا تؤخّره إلى غد ، فوافق سعة السعر فقال له التجّار : إن أخّرته جمعة ربحت فيه أضعافه ، فأخّره جمعة فربح فيه أمثاله وكتب إلى صاحبه بذلك ، فكتب إليه صاحب الطعام : يا هذا إنّا كنّا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا وإنّك قد خالفت وما نحبّ أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدّين وقد جنيت علينا جناية فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كلَّه فتصدّق به على ضعفاء البصرة وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافا لا عليّ ولا لي » . أقول : وممّا يناسب ذكره في هذا المقام ما رواه في الكافي بإسناده ، عن أبي جعفر الفزاريّ قال : « دعا أبو عبد اللَّه عليه السّلام مولى له يقال له : مصادف فأعطاه ألف دينار فقال له : تجهّز حتّى تخرج إلى مصر فإنّ عيالي قد كثروا قال : فجهّزه بمتاع وخرج مع التجار إلى مصر فلمّا دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خرجت من مصر ، فسألوهم عن المتاع الَّذي معهم ما حاله في المدينة وكان متاع العامّة [ 2 ] فأخبروهم أن ليس بمصر منه شيء فتحالفوا وتعاهدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار دينارا فلمّا قبضوا أموالهم وانصرفوا إلى المدينة دخل مصادف على
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 167
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٧
هامش
( 1 ) راجع تفسير الدر المنثور ج 4 ص 351 ، والآية في سورة الحج : 29 .
[ 1 ] ما عثرت على لفظه في أصل نعم روى ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند ضعيف « ما من جالب يجلب طعاما إلى بلد من بلدان المسلمين فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند اللَّه منزلة الشهيد » وفي الجامع الصغير نقلا عن الزبير بن بكار في اخبار المدينة « الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل اللَّه والمحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب اللَّه » وللحاكم مثله عن اليسع بن المغيرة مرسلا .
[ 2 ] أي الذي يحتاج إليه الناس عامة .