تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الأصول — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
كان ما ذكره الكليني مما يصح أن يعول عليه ويجعل أصلا في الحكم بصحة أخبار الكافي لما حسن منهم ذلك بل كان عليهم أن ينهوا على أن ما ذكره أصل لا ينبغي العدول عنه هذا وقد اتفق لجماعة من القدماء كالمفيد وابن زهرة وابن إدريس والشيخ والصدوق الطعن في بعض أخبار الكافي بما يقتضي أن لا يكون غيره محل الاعتبار وقد ذكرت عباراتهم في الوسائل وتأويل جماعة من الفضلاء كالأمين الأسترآبادي والشيخ يوسف البحراني وغيرهما كلام الشيخ والصدوق في مقام الطعن على ما ذكر بحمله على ما لا يقتضي الطعن ولا القدح في الحكم بصحة ما في الكافي من الأخبار بعيد عن الصواب فإن عبارتهما في غاية الظهور في الطعن في السند لا يقال لا يقدح ما ذكر في جواز الاعتماد على ما ذكره الكليني لمعارضته بمصير الأخباريين إلى كونه مفيدا للعلم وأن جميع ما في الكافي من الأحاديث مقطوع الصحة ومعلوم الصدور لأنا نقول لا يصح المعارضة المذكورة جدا فإن الأخباريين على ما ذكرت يدعون القطعية وهي دعوى فاسدة جدا والدعوى الفاسدة لا يجوز أن يقابل بها دعوى أعيان العلماء المشتهرين بالفضل ودقة النظر والورع والتقوى هذا وقد يستدل بالإجماع المركب على ترك العمل بقول الكليني وذلك لأن كل من أخذ به ادعى قطعيته وكل من لم يأخذ به لم يدع ذلك ولما كان الأول باطلا تعين المصير إلى الثاني إذ التفصيل بالمنع من القطعية وجواز الأخذ به وجعله أصلا لم يقل به أحد وفيه نظر وتأمل ولا يقال يحصل مما ذكره الكليني سكون النفس والاعتقاد الراجح بصحة جميع ما في الكافي فيلزم الحكم بها أما الأول فلأنه معلوم وجدانا وعيانا وأما الثاني فلصدق لفظ العلم على هذا الاعتقاد عرفا ولغة وكل علم يجب الاعتماد عليه لأنا نقول نمنع المقدمة الأولى بعد ملاحظة ما ذكرناه وكيف يحصل اطمئنان النفس بما قاله ثقة الإسلام ولم يحصل الاطمئنان بما عليه المعظم المؤيد مما تقدم إليه الإشارة وما هذا لا تحكم صرف ومضادة ظاهرة بل التحقيق أن سكون النفس إلى ما عليه المعظم أزيد من سكونها إلى ما عليه الواحد اللهم إلا أن يقوم دليل قطعي وما يقرب منه على خلاف ما عليه المعظم وذلك معلوم وجدانا سلمنا المقدمة الأولى ولكن نمنع من إطلاق لفظ العلم على مطلق ما يطمئن النفس إليه أو الاعتقاد الراجح الشامل للظن حقيقة بل هو حقيقة في الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك ولا يعتريه ريب مطلقا ولو بحسب العادة وذلك لتبادره عند الإطلاق وصحة سلب لفظ العلم عن الظن وجعله مقابلا للعلم في العرف والعادة وعدم صحة امتثال الأمر المعلق على العلم بتحصيل الظن ولغير ذلك وبالجملة لا شبهة في أن لفظ العلم موضوع لمعنى غير ما وضع له لفظ الظن وذلك المعنى هو الذي ذكره الأصوليون والمتكلمون واحتمال أن ذلك من مصطلحاتهم مما يقطع بفساده ولو كان كذلك لأشاروا إلى المعنى اللغوي وصرحوا بمخالفته للمعنى المصطلح عليه بينهم كما هو طريقتهم في سائر الألفاظ التي لهم فيها اصطلاح خاص نعم قد شاع إطلاق لفظ العلم على الظن خصوصا إذا كان غالبا أو كان مما علم حجيته كالظنون التي جرت العادة باعتبارها ولذا قد يتوهم أن الأسباب المفيدة لتلك الظنون مفيدة للعلم لكن مجرد شيوع الإطلاق غير كاف في حمل اللفظ عليه كما لا يخفى سلمنا أن لفظ العلم موضوع لمعنى يشمل مطلق ما يطمئن النفس إليه ولكن نمنع من حجية ذلك على الإطلاق ونطالب من يدعي حجيته بالدليل وإنما نسلم حجية الفرد الذي فيه الجزم وهو الذي فسر به العلم في كلام الأصوليين والمتكلمين وذلك لأن البديهية تشهد بحجيته ولذا يقبح العقلاء من يطالب دليل حجية هذا القسم وهذا الوجه غير جاز في الفرد الآخر وهو الذي يسمى بالظن ولذا يحسن من يطالب دليل حجيته لا يقال الدليل على حجية الفرد الآخر موجود وهو الدليل العقلي الذي تمسك به بعض المحققين على أصالة حجية كل ظن لأنا نقول لو سلم نهوض ذلك الدليل لإثبات الأصل المزبور فإنما نسلمه في الظن الذي لم يحصل الظن الأقوى بعدم حجيته وأما فيه فلا ومنه الظن المستفاد من خبر الكليني لما عرفت من الأمارات التي تقدح في حجيته ولو منعنا من تلك الأمارات فنقول ذلك الدليل لم يفد حجية الظن على الإطلاق بل الظن الذي يلزم من منع حجية العسر والحرج ولا شك أن الذي يستفاد من خبر الكليني ليس بهذه المثابة لأن منع حجيته لا يلزم منه ذلك لأن تحصيل الظن الأقوى منه غالبا ممكن وهو الحاصل من الخبر الموجود في الكتب الأربعة وسائر كتب الأحاديث المعتبرة مع اتصافه بالصفات التي تورث زيادة الظن بالصدق كالصحة والموافقة لعمل الأكثر ونحو ذلك والنادر حكمه حكم المعدوم فلا يعتبر فتأمل وبالجملة الاعتماد على ما ذكره الكليني ودعوى صحة ما في كتابه وإثبات الأحكام الشرعية بمجرد مقالته جرأة عظيمة في الشريعة خصوصا على القول بمنع حجية الشهرة والاستقراء لأن ما دل على عدم حجيتها يدل على عدم حجية ما ذكره بطريق أولى لأن الظن الحاصل منهما أقوى من الحاصل منهما أقوى من الظن الحاصل مما ذكره كما لا يخفى فتأمل

وينبغي التنبيه على أمرين

الأول

توهم بعضهم أن كل ما يرويه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه من الأحاديث صحيح لا يحتاج إلى معرفة حال رواته لأنه صرح في أول الكتاب بصحة ما