الثالث أن حصول القطع بصدور جميع ما في الكافي عن الأئمة عليهم السلام للكليني مستبعد إن لم يكن محالا عاديا لأن القطع بالأخبار عادة إما من جهة التواتر أو القرائن المفيدة له وحصول كل منهما له بعيد في العادة ولا كذلك الظن بذلك فلو حمل عبارة الكليني على الأول لزم مخالفة العادة وأما لو حمل على الثاني فليس فيه مخالفة لها وهو إن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة الرابع أنه قد شاع بين العلماء الأخيار بنحو ما أخبر به الكليني مع عدم قطعهم بما أخبروا به وبالجملة قد شاع منهم استعمال صيغة الإخبار في مقام الظن بالخبر بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة عند أكثر المحققين ولا يقال لو صح الاحتمال الثاني وكان مراد الكليني للزم أن يكون عاملا بالظن وهو باطل لوجوه الأول أن المعروف من طريقة المتقدمين ترك العمل بالظن حتى أن بعضهم ادعى أن العمل به محال عقلا الثاني إن في عبارته ما يدل على عدم جواز العمل بالظن وهو قوله والأمر في الشاك المؤدي بغير علم ولا بصيرة إلى الله عز وجل إن شاء تطول عليه فقبل عمله وإن شاء رد عليه لأن الشرط عليه من الله عز وجل أن يؤدي المفروض بعلم وبصيرة ويقين ثم قال لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة لا يدري ما يؤدي وإلى من يؤدي الثالث اقتصاره على نقل الحديث وعدم تمسكه في الأحكام الشرعية بالأمارات الظنية من الإجماع والشهرة والاستقراء لأنا نقول بطلان اللازم ممنوع وتلك الوجوه لا تصلح لإثباته أما الأول فللمنع من أن طريقة المتقدمين عدم جواز العمل بالظن مطلقا كيف والعلم بجميع الأحكام الشرعية مما يمكن أن يدعى محاليته عادة ومع هذا فاستدلال المرتضى والشيخ وابن زهرة وابن إدريس بظواهر الكتاب والسنة مما لا مساغ إلى إنكاره ولو كان المتقدمون مانعين من العمل بالظن مطلقا لما جاز لأولئك الفحول ذلك نعم الظن الذي لم يقم من الشرع دليل على حجيته لا يجوز العمل به عندهم وكذا عند جميع المتأخرين ولكن هذا غير محتمل بالنسبة إلى الكليني بل المحتمل الظن الذي قام من الشرع دليل على حجيته لا يقال لو كان هذا القسم هو المحتمل لم يكن احتماله قادحا في تأسيس الأصل بما ذكره الكليني لأن تصحيحه الأخبار على فرض صحة هذا الاحتمال من دليل ظني اعتبر شرعا فيجب
متابعته لأنا نقول لعل الكليني أخطأ في ذلك الدليل واعتقد ما ليس بدليل دليلا والخطأ ليس بمأمون على غير المعصوم ولهذا اتفق المحققون على الظاهر على أن ما يعتقده عالم دليلا لا يكون دليلا لعالم آخر ولا يجوز العمل بما يفتي به حتى يتبين له كونه حقا وأما الثاني فللمنع من دلالته على ذلك كما أشار إليه جدي رحمه الله قائلا غاية ما يظهر من كلامه علمه بحجية أخباره وصحة العمل بها وكون العمل بالدين بالآثار الصحيحة بل في كلامه مواضع تشهد بأن مراده من أداء الفرائض بالعلم واليقين ليس ما ذكرت بل ما ذكرناه وأدون منه منها استشهاده لما ذكره بقوله من أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال وقوله من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يسلم من الفتن فتأمل ومنها قوله إنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها ومنها قوله فاعلم يا أخي إنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام اعرضوا على كتاب الله تعالى إلى آخره فتدبر ومنها قوله ونحن لا نعرف ذلك إلا أقله ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى الإمام عليه السلام وقبول ما وسع الأمر فيه بقوله صلى الله عليه وآله بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم ومنها قوله وأرجو أن يكون بحيث [ إلخ ] ومنها قوله ومن أراد الله توفيقه وأن يكون دينه ثابتا مستقرا سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله تعالى إلى أن قال ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معارا مستودعا نعوذ بالله منه سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة فذلك في المشية إن شاء الله تعالى وتقدس أتم إيمانه وإن شاء سلبه إياه ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا لأنه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره فتأمل في جميع هذه المواضع جدا حتى يظهر لك الأمر من كل واحد وإن كان الأمر من بعضها ظاهرا ويشهد أيضا على ما ذكرنا كثير من أحاديث كتابه التي عمله عليها منها ما أورده في باب اختلاف الحديث الأخذ بالنسبة التي لها شواهد من الكتاب مثل رواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام حيث سأله عن اختلاف الحديث يرويه من تثق به ومن لا يثق به قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فالذي جاءكم به أولى به ومثل رواية عمر بن
حنظلة حيث قال فإن الحكم ما حكم به أعدلهما الحديث وغيرهما من الأحاديث فتأمل ويشهد أيضا ما أشرنا إليه من أن الكليني قد أكثر من الرواية من غير المعصوم عليه السلام فلاحظ وتأمل ويشهد أيضا كون أخبار الآحاد حجة عند القدماء وكذا بناؤهم على الظن في تصحيح الحديث ويشهد أيضا أن الحديث الذي له شاهد في كتاب الله كان معمولا به عند القدماء حجة كما لا يخفى على المتتبع المطلع بل ربما كان يعد مثل هذا الحديث من القطعيات ويخرجونه من الآحاد وهو صريح كلام الشيخ في العدة وفي أول صار والظاهر منه في أول التهذيب وقال الأجل المرتضى في مسألة ألفها في طريق الاستدلال على فروع الإمامية بعد الإشارة إلى حجية إجماع الإمامية وأنه طريق موصل إلى العلم بها ما هذا لفظه وليس يمتنع مع
مفاتيح الأصول — صفحة 332
مساهمون: السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
ص٣٣٢