ذلك أن يكون في بعض ما أجمعوا عليه ظاهر كتاب يتناوله أو طريقة تقتضي العلم مثل أن يكون ما ذهبوا إليه هو الأصل في العقل فيصح التمسك به مع فقد الدليل الموجب للانتقال عنه إلى أن قال فإن اتفق شيء من ذلك في بعض المسائل جاز الاعتماد عليه من حيث كان طريقا إلى العلم وصار نظيرا للإجماع الذي ذكرناه في جواز الاعتماد عليه فتأمل على أنا لو سلمنا كون الصحيح عند القدماء بمعنى قطعي الصدور لكن نقول لا يستلزم قطعهم حصول القطع لغيرهم وهذا في غاية الظهور سيما مع ملاحظة ما صدر منهم الغفلات والاشتباهات ووقع منهم من الاضطرابات في المقامات وخصوصا مع ملاحظة ما أشرنا إليه آنفا من الشيخ وغيره في قطعية الخبر إذا كان له شاهد من الكتاب وغيره هذا مع مشاهدة شدة الاختلاف بينهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها بل نقول هؤلاء مع معرفتهم بأحوال الأحاديث ومهارتهم فيها وقرب عهدهم كثيرا ما يضعف كل واحد منهم الأحاديث التي صححها الآخر فإذا كان هؤلاء هكذا حالهم فكيف يحصل النافي أمثال زماننا القطع بصدور الأحاديث ألا ترى أن الكليني مع بذل جهده في مدة عشرين سنة ومسافرته إلى البلدان والأقطار وحرصه في جمع آثار الأئمة عليهم السلام وقرب عصره إلى الأصول الأربعمائة والكتب المعمول عليها وكثرة ملاقاته ومصاحبته مع شيوخ الإجازات والماهرين في معرفة الأحاديث ونهاية شهرته في ترويج المذهب وتأسيسه لم يورد في الكافي جميع ما صححه وعمل به غيره من المشايخ وغيرهم وكذلك الصدوق لم يورد جميع ما صححه الكليني والشيخ وغيرهما مع أن في كان عنده وربما كان يأخذ منه ولم يأخذ الكل انتهى وأما الثالث فللمنع من دلالته على ذلك أيضا كما أشار إليه الفاضل الشوشتري فإنه قال في مقام الرد على من ينسب تحريم الاجتهاد إلى القدماء وقد ينسبون هؤلاء الجهلة وهمهم إلى القدماء كابن بابويه وغيره حيث أنهم لم يذكروا في كتبهم هذه الفروع الفقهية ولم يدروا أنه لا يلزم من عدم الذكر الإنكار فإن كل طائفة يشتغلون بشيء إذ فيه بقاء نظام نوع الإنسان فبعضهم يشتغلون بجمع الحديث وبعضهم يشتغلون ببيان مدلولات الأحاديث وهم الفقهاء وبعضهم يشتغلون بتحرير مسائل النحو وبعضهم بالصرف
وهكذا ولا يلزم من هذا أن يكون كل طائفة منكرا لما يشتغل به الطائفة الأخرى فإن الله تعالى جعل بحكمته رغبة القدماء في جمع الحديث إذ لو لم يجمعوه لاندرس بعد زمان الغيبة وجعل رغبة بعض المتأخرين في تحرير المسائل الفقهية والجمع بين الأخبار والإفتاء بما يخالف العامة وتقييد المطلق بالمقيد وتخصيص العام بالخاص وهكذا إذ لو لم يفعلوا ذلك لتفرق المذاهب تفرقا غير محصور فإن بعض الأخبار يدل على الجبر وبعضها على التشبيه وبعضها على جواز الخطاء على الأنبياء وبعضها على عدمه وبعضها على غسل الرجلين في الوضوء وبعضها على جواز الوضوء باللبن إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة فلو لم يفعلوا ما فعلوا واقتصروا على مجرد نقل الأحاديث لم يمكن ذلك في مثل عصرنا هذا لبعده عن زمان المعصوم عليه السلام وخفاء القرائن فيه مع أن ابن بابويه أيضا ربما ذكر في النهاية فتاوى من قبيل اجتهادات المتأخرين بل ما لم يفعله المتأخرون أيضا يظهر ذلك لمن تأمل في اختلافاته مع الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن في كتاب المواريث انتهى الخامس أنه قد ذكر في الكافي أحاديث لا يجوز الاعتماد عليها كأحاديث الجبر والتفويض وسهو النبي صلى الله عليه وآله وغيرها وهو دليل على رجوعه عما أخبر به في أول الكتاب فيه من الأخبار الصحيحة التي يجوز العمل بها كما هو مراد السائل أو دليل على أن مقصوده اشتمال الكافي على ما قصده السائل لا أن جميع ما فيه منها وعلى أي تقدير لا يصح الاعتماد على ما ذكره لتأسيس الأصل الذي هو محل البحث لا يقال هنا احتمال آخر يصح معه دعوى الأصل المزبور وهو تخصيص ما ذكره بذكر تلك الأحاديث ولا قدح فيه فإن أكثر العمومات مخصصة بل هذا الاحتمال أرجح من الاحتمالين الأولين فإذن يجب في المشكوك فيه الرجوع إلى الأصل المستفاد من ظاهر كلامه لأنا نقول الاحتمال الأول أرجح من هذا الاحتمال بالنسبة إلى المصنفين كما لا يخفى لا يقال يدفع الاحتمال الأول قوله قد يسر الله تعالى فإنه ظاهر في أن وضع الديباجة بعد تأليف الكتاب وهو ينافي الرجوع لأنا نقول المجاز بالمشارفة مجاز شائع بل لا بعد في أن يعد في أمثال المقام من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة ومما
يؤيد رجوعه إكثاره الرواية عن غير المعصوم عليه السلام على ما ذكره جدي رحمه الله فإنه قال علي أن الكليني أيضا قد أكثر في الكافي من الرواية عن غير المعصوم عليه السلام ثم ذكر جملة من شواهد ذلك ثم قال وبالجملة إيراده الأخبار عن غير المعصوم عليه السلام في غاية الكثرة انتهى ثم إنا لو سلمنا مرجوحية الاحتمال الثالث لكن لا نسلم مرجوحية الاحتمال الثاني بالنسبة إليه هذا وعدم تنبيه الكليني عند ذكره الأخبار التي لا يجوز الاعتماد على خروجها عما ذكره في أول الكتاب شاهد على بطلان الاحتمال الثالث كما لا يخفى السادس أن الذي عليه محققو أصحابنا عدم حجية ما ذكره الكليني إذ لم يعتمدوا على رواية مروية في الكافي ولا صححوها باعتبار أن الكليني أخبر بصحة ما في الكافي بل شاع بين المتأخرين تضعيف كثير من الأخبار المروية فيه سندا ولو
مفاتيح الأصول — صفحة 333
مساهمون: السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
ص٣٣٣