خلاف العادة أما الأول فلأن شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة وهذا معلوم محاليته عادة في جميع تلك الأخبار خصوصا إذا كان هناك خوف وتقية وأما الثاني فواضح الرابع أنه قد يكون لبعض رواة بعض رواياتها صفات تمنع من الاطمئنان بأخبار الثقة بأنه صحيح ككونه من الكذابين المشهورين وأكذب البرية واعتماده على الضعفاء والمراسيل ونحو ذلك مما هو مذكور في الرجال والشاهد على ذلك أنك إذا علمت أن رجلا كذوب في الغاية ثم أخبرك ثقة بأن الخبر الفلاني من هذا الكذاب صحيح لاستوحشت من تصحيحه وربما حملته على الخطاء وبالجملة دعوى قطعية ما في كتب الأربعة مما لا ريب في فسادها نعم يمكن أن يدعى أن الأصل فيما تضمنه كتاب الكافي من الأحاديث الصحة ووجوب العمل به ولو كان ضعيف السند بالاصطلاح المشهور بين الأصوليين ومعه أيضا يرتفع الحاجة إلى معرفة رجال سند الأخبار التي فيه وذلك لأن الكليني أخبر وشهد بأن كلما فيه صحيح فيجب قبوله أما المقدمة الأولى فلأنه قال في أول الكتاب المزبور أما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت إلى أن قال وذكرت أن أمورا قد أشكلت عليك لا تعرف حقائقها لاختلاف الروايات فيها وأنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها وأنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها وقلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهما السلام والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدي فرض الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وقلت ولو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سببا يتدارك الله بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا ويقبل بهم إلى مراشدهم إلى أن قال يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث ترجيت فمهما كان فيه من تقصير فلم نقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لإخواننا وأهل ملتنا مع ما رجونا أن تكون مشاركين لكل من اقتبس منه وعمل بما فيه في دهرنا وفي غابره إلى انقضاء الدنيا وأما المقدمة الثانية فلأنه خبر عادل والأصل فيه الصحة والحجية أما الأول فلأن وثاقة الكليني وجلالة قدره مما لا ينبغي الريب فيه وأما الثاني فلعموم ما دل على حجية خبر العادل
وقد يقال أن الاعتماد على ما ذكر في إثبات أصالة صحة ما في محل إشكال لوجوه الأول أنه ليس فيه تصريح بأن جميع ما فيه من الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهما السلام بل غايته الدلالة على أن ما يحتاج إليه من الآثار الصحيحة مذكور فيه كما أشار إليه بعض الفضلاء فلا يثبت بذلك المدعى لا يقال لو كان الأمر على ما أشرت إليه من إمكان وجود روايات غير صحيحة في المعالم يحصل مقصود السائل الذي سئل منه تأليف كتاب شأنه كذا وكذا كما أشار إليه الأمين الأسترآبادي قائلا من المعلوم أنه لم يذكر في كتابه هذا قاعدة بها يميز بين الحديث الصحيح وغيره فعلم أن كل ما فيه صحيح فإنه لو كان ملفقا من صحيح وغير صحيح لزاد السائل الإشكال والحيرة ولما جاز للمتعلم الاكتفاء به وأخذ المسترشد منه لأنا نقول هذا حسن لو لم يعلم السائل بطريق التميز وهو ممنوع لجواز أن يكون السائل عالما بقاعدة كلية يحصل بها التمييز لكنه احتاج إلى ما يجمع الأحاديث الصحيحة كباقي العلماء العالمين بالقواعد الكلية فإنهم يحتاجون إلى الكتب لإعمال تلك القواعد لا يقال هذا حسن لو كان تأليف الكافي لخصوص السائل أو من في طبقته العالمين بقاعدة التميز لكنه باطل بل ألفه لينتفع به جميع من كان في طبقته ومن يأتي بعده إلى انقضاء الدنيا كما صرح به في الكتاب المذكور وحينئذ لا يجوز له الاعتماد على القرينة المتداولة في تلك الأزمنة لجواز انعدامها وعدم بقائها إلى آخر الزمان لأنا نقول هذا التجويز لا يمنع من الاعتماد عليها وإلا لما جاز الاعتماد على ما ذكره في الديباجة بل كان عليه أن ينص على صحة كل حديث عند ذكره وأيضا لما جاز للعلماء الاعتماد على ما يذكرونه في أوائل كتبهم من الشروط الاصطلاحات لمعرفة ما في الكتاب وهو باطل جدا إذ قد استمرت طريقتهم وسجيتهم على الاعتماد على ذلك بل قد كثر اعتمادهم في تصنيفاتهم على ما كان معروفا عندهم من الخارج أو مذكورا في كتاب كما أنهم يطلقون لفظ الصحيح على الخبر في الكتب الفقهية تعويلا على معروفيته في الخارج مع أنه من الجائز تلف المعتمد عليه فينتفي فائدة التأليف ولا يقال هذا بعيد من وجوه منها ما ذكره الأمين الأسترآبادي فإنه قال منه الأمور المعلومة عند من تتبع كتب الأخبار والرجال أن الأصول الصحيحة والأحاديث المعتمد عليها كانت في زمن ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ممتازة عن غيره ومن المعلوم أنه لم يقع من مثله أن
يجمع بينهما في كتاب واحد في مقام الهداية والإرشاد من غير نصب علامة مائزة وقال في مقام آخر من المعلوم أن عاقلا فاضلا صالحا إذا أراد تأليف كتاب لإرشاد الخلق وهدايتهم ولأخذ من يجيء بعده معالم دينه منه لا يرضى بأن يلفق بين أحاديث تلك الأصول المجمع على صحتها المقطوع بورودها عنهم عليهم السلام وبين ما ليس كذلك من غير نصب تمييز بينهما بل من المعلوم أنه لا يجوز بل أقول أرباب التواريخ إذا أرادوا تأليف تاريخ مع تمكنهم من أخذ الأخبار من كتاب مقطوع بصحته لا يرضون بأخذ الأخبار من موضع ليس كذلك ولو اتفق ذلك لصرحوا بحاله وميزوه عن غيره وكيف نظن برؤساء العلماء والصلحاء مثل الإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ومثل رئيس الطائفة ما ظنوه فإن فيه تخريب الدين
مفاتيح الأصول — صفحة 330
مساهمون: السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
ص٣٣٠