تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الأصول — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
عما نحن فيه انتهى لأنا نقول هذا إقرار من الخصم وكم يتفق مثل هذا في مقام المناظرات والمشاجرات لكن لو بنينا الأمر على التصديق لمن يدعي العلم بمجرد دعواه لانسد باب الشريعة ولزم إفحام الأنبياء عليهم السلام إذ غاية ما يحصل منهم المعجزة وإلقاء البرهان على البناء المذكور يجوز للخصم أن يقول أين علمت بالخلاف وإن لم أكن عالما بسببه والتحقيق أن يقال أن دعوى العلم إذا اتفقت من شخص فلا يسمع منه ولا يعذر مطلقا بل يلاحظ فإن كانت العادة تقضي بفسادها فلا تقبل منه وتكذب بل قد يحكم بجنونه وإن جوزتها العادة منه فيعذر فيها ولذا ترى أن العقلاء يحكمون بفساد عقل من يدعي العلم بسقوط السقف الصحيح المحكم وبتكذيب من يدعي حصول العلم من خبر الكذوب مجردا عن القرائن أو من خبر مجهول الحال كذلك ولا يحكمون بفساد عقل من يدعي العلم بموت زيد وقيام عمرو وسقوط السقف المسائل ثم إن العادة لا يراد بها عادة عامة الناس في جميع الدعاوي العلمية بل عادة أهل الحرفة التي ينتسب إليها المدعي ويدعي العلم في مسألتها فالنحوي إذا ادعى العلم في مسألة نحوية استكشف صدق دعواه بالرجوع إلى النحاة فإن كذبوا مدعي العلم ولم يطالبوه بالدليل لزم الحكم بكذبها وإن تأملوا في دعواه لم يحكم به ولا يعتبر فيه عدم تكذيب العامي له لعدم أنسه ومزاولته لتلك الحرفة فلا يحصل له العلم بما هو الحق في تلك المسألة ولذا ترى أن الفقيه إذا ادعى العلم في مسألة فقهية وأسند علمه إلى فتوى فقيه شاذ نادر يكذبه الفقهاء في دعواه وأما إذا عرض على العوام فلا يكذبونه بل قد يحصل لهم الجزم واطمئنان النفس بفتواه كما هو الحال في كثير من أهل التقليد فإنهم جازمون بصحة فتوى المفتي جزما يزيد على جزم المفتي لو كان له جزم ونحوهم العوام الذين يراجعون كتب الحديث والفتوى فإنهم بمجرد النسبة يجزمون بالصحة ومثل هذا لا يعد علما ولا معتبرا عند العقلاء لأن العلم هو الذي لا يزول بأدنى التفات وتأمل واحتمال ولا يجوز فرض وقوع خلافه ما دام هو عالما ولذا لا يصح أن يقول رجل هذا معلوم عندي الآن لكن إذا أخبرني ثقة بأنه ليس كذلك يرتفع لأن هذا منه تجويز للخلاف فقد ظهر أن مجرد الاطمئنان وسكون النفس ليس علما لأنه قد يحصل من المسامحة وعدم التدبر والالتفات ولأنه لو كان علما لما صح ذم الكفار بتقليد آبائهم بقوله تعالى إنا وجدنا آباءنا الآية ولما حسن من الأئمة عليهم السلام عد العامة من أهل الظنون والشكوك والشبهة للقطع بحصول الاطمئنان وسكون النفس لهم فيما يعتقدونه ولأنه لو كان علما لجاز للعوام ترجيح المسائل الفقهية بالاعتبارات العقلية لأنه قد يحصل الاطمئنان لهم بها كما يحصل بمجرد الرجوع إلى الكتب المؤلفة في الحديث والفقه وفساد هذا غني عن البيان إذ فيه هدم الشريعة وانتفاء فائدة البعثة ولم يثبت من الصحابة وأصحاب الأئمة عليهم السلام الاعتماد على هذا نعم دعوى اعتمادهم على الظن الذي يدعي الخصم حرمة العمل به وجيهة لكن لا يجوز جعله حجة شرعية في اعتبار الظنون لأن ما اعتمدوا عليه لم يعلم أنه أي شيء وإنما الحاصل من طريقتهم العمل بالظن في الجملة فالمعتبر في العلم الذي لا يطالب بحجيته هو الجزم الذي لا يزول بأدنى تشكيك وهذا لا يحصل من خبر الثقة مجردا عن القرينة ولذا صار أكثر الأصوليين إلى عدم إفادته العلم نعم يحصل الاطمئنان الظني وهو الذي يجوز معه الخلاف دون الاطمئنان العلمي الذي لا يجوز معه الخلاف مطلقا ولو كان عاديا لا يقال كيف يدعى أن العلم العادي لا يجوز معه الخلاف والحال أنهم قد صرحوا بأنه يحتمل فيه النقيض وجعلوه وجه الفرق بين العلم العقلي والعادي لأنا نقول تجويز النقيض إن كان باعتبار الإمكان الذاتي فهو متحقق في العلم العادي دون العقلي وهو وجه الفرق بينهما وإن كان باعتبار الوقوع الخارجي فلا يتحقق في العلم العادي ومما ذكر اندفع دعوى العلم بصحة أخبار الكتب الأربعة بالمعنى الذي ذكرناه وما قاله الشيخ شهاب الدين وأما ثانيا فلأن تنصيص الجماعة بصحة الأخبار معارض بوجوه الأول عدم اعتناء أكثر العلماء بتنصيصهم وعدم التفاتهم إليه ولو كان ما ذكروه مسلما صحيحا في تصحيح أخبار الكتب الأربعة لتمسكوا به واستغنوا به عن التصنيف في الرجال وكفوا عن الكلام في إسنادها وتوصيفها بالصحيح والحسن وغيرهما وبطلان التالي واضح لمن راجع كتبهم وطريقة أكثر العلماء إن لم تكن في نفسها حجة دافعة للتنصيص المذكور فلا أقل من كونها معارضة له ومع هذا كيف يجوز دعوى العلم بمجرد التنصيص المزبور لا يقال لعل الوجه في التصنيف في الرجال والكلام في أسناد الأخبار أمر لا نعلمه بعينه لأنا نقول هذا تشكيك لا يلتفت إليه إذ من المعلوم أن السبب في ذلك عدم صحتها من تنصيص الجماعة الثاني أنه قد ثبت بالأخبار وشهادة العلماء الأخيار حصول الكذب في الأخبار المروية واختلاط الغث بالسمين فيها واعترف به الخصوم ومن المستبعد عادة بل من المحال قطعا التميز بينهما على وجه لا يحصل الخطاء والزلة سواء كان المميز أرباب الأصول الأربعمائة وأصحاب الكتب الأربعة أم غيرهم وحيث لم يكن الباطل مشخصا ومعينا سرى الاحتمال في الجميع غالبا ولا يكون دفعه إلا بمعرفة صفات الراوي الثالث أن حصول القطع بصحة أخبار الكتب الأربعة بأسرها بعيد عادة لأن القطع غالبا لا يحصل إلا بالتواتر والاحتفاف بالقرائن وتحقق كل منهما في تلك الأخبار
مفاتيح الأصول — صفحة 329 | السيد محمد الطباطبائي الكربلائي