قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّه نَبِيَّه ص والَّذِي بَعَثَه بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً ولَتُسَاطُنَّ سَوْطَةَ الْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ ولَيَسْبِقَنَّ
شرح
قوله عليه السلام : " لتبلبلن بلبلة " البلبلة : الاختلاط ، وتبلبلت الألسن أي اختلطت وقال ابن ميثم ( 1 ) : وكنى بهما عما يوقع بهم بنو أمية وغيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة ، وخلط بعضهم ببعض ورفع أراذلهم وحط أكابرهم عما يستحق كل من المراتب ، وقال الجزري ( 2 ) : فيه دنت الزلازل والبلابل هي الهموم والأحزان وبلبلة الصدر وسواسه ، ومنه الحديث إنما عذابها في الدنيا البلابل والفتن ، يعني هذه الأمة ومنه خطبة علي : لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة انتهى والأظهر أن المراد اختلاطهم واختلاف أحوالهم ودرجاتهم في الدين ، بحسب ما يعرض لهم من الفتن .
قوله عليه السلام : " ولتغربلن غربلة " والظاهر أنها مأخوذة من الغربال ، الذي يغربل به الدقيق ، ويجوز أن تكون من قولهم غربلت اللحم أي قطعته ، فعلى الأول الظاهر أن المراد تميز جيدهم من رديئهم ، ومؤمنهم من منافقهم ، وصالحهم من طالحهم بالفتن التي تعرض لهم ، كما أن في الغربال يتميز اللب من النخالة ، وقيل : المراد خلطهم ، لأن غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض .
وقال ابن ميثم ( 3 ) : هو كناية عن التقاط آحادهم وقصدهم بالأذى والقتل كما فعل بكثير من الصحابة والتابعين ، . ولا يخفى ما فيه ، وعلى الثاني فلعل المراد تفريقهم وقطع بعضهم عن بعض .
قوله عليه السلام : " ولتساطن سوطة القدر " قال الجزري ( 4 ) : ساط القدر بالمسوط ، وهو خشية يحرك بها ما فيها ليختلط ، ومنه حديث علي ( رضي الله عنه ) : " لتساطن سوط القدر " .
قوله عليه السلام : " حتى يعود أسفلكم أعلاكم " أي كفاركم مؤمنين ، وفجاركم
هامش
( 1 و 3 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 1 ص 296 - 300 .
( 4 ) النهاية : ج 1 ص 150
( 4 ) النهاية : ج 2 ص 421 .