وفي الكلام مع ذلك إشارة إلى أن المقصود بالذات من الخلقة هو إيصال الخير من الجزاء حيث ذكر حسن العمل وامتياز من جاء بأحسنه فالمحسنون عملا هم المقصودون بالخلقة وغيرهم مقصودون لأجلهم .
وقد ذيل الكلام بقوله :
« وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ »
فهو العزيز لأن الملك والقدرة المطلقين له وحده فلا يغلبه غالب وما أقدر أحدا على مخالفته إلّا بلاء وامتحانا وسينتقم منهم وهو الغفور لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم في الدنيا وسيغفر كثيرا منها في الآخرة كما وعد .
وفي التذييل بالاسمين مع ذلك تخويف وتطميع على ما يدعو إلى ذلك سياق الدعوة .
قوله تعالى :
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
الخ ؛ أي مطابقة بعضها فوق بعض أو بعضها يشبه البعض - على ما احتمل - وقد مرّ في تفسير حم السجدة بعض ما يمكننا من القول فيها .
وقوله :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
قال الراغب : الفوت بعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذر إدراكه ، قال تعالى :
« وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ »
. قال : والتفاوت الاختلاف في الأوصاف كأنه يفوت وصف أحدهما الآخر أو وصف كل واحد منهما الآخر ، قال تعالى :
« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ »
أي ليس فيها ما يخرج عن مقتضى الحكمة . انتهى .
فالمراد بنفي التفاوت اتصال التدبير وارتباط الأشياء بعضها ببعض من حيث الغايات والمنافع المترتبة على تفاعل بعضها في بعض ، فاصطكاك الأسباب المختلفة في الخلقة وتنازعها كتشاجر كفتي الميزان وتصارعهما بالثقل والخفة والارتفاع والانخفاض فإنهما في عين أنهما تختلفان تتفقان في إعانة من بيده الميزان فيما يريده من تشخيص وزن السلعة الموزونة .
فقد رتب اللّه أجزاء الخلقة بحيث تؤدي إلى مقاصدها من غير أن يفوّت بعضها غرض