الخائفين مقام ربهم ، والمقام مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى فاعله ، والمراد قيامه تعالى عليه بعمله وهو إحاطته تعالى وعلمه بما عمله وحفظه له وجزاؤه عليه قال تعالى :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
( الرعد / 33 ) .
ويمكن أن يكون المقام اسم مكان والإضافة لامية والمراد به مقامه وموقفه تعالى من عبده وهو أنه تعالى ربه الذي يدبر أمره ومن تدبير أمره أنه دعاه بلسان رسله إلى الإيمان والعمل الصالح وقضى أن يجازيه على ما عمل خيرا أو شرا هذا وهو محيط به وهو معه سميع بما يقول بصير بما يعمل لطيف خبير .
والخوف من اللّه تعالى ربما كان خوفا من عقابه تعالى على الكفر به ومعصيته ، ولازمه أن يكون عبادة من يعبده خوفا بهذا المعنى يراد بها التخلص من العقاب لا لوجه اللّه محضا وهو عبادة العبيد يعبدون مواليهم خوفا من السياسة كما أن عبادة من يعبده طمعا في الثواب غايتها الفوز بما تشتهيه النفس دون وجهه الكريم وهي عبادة التجار كما في الروايات وقد تقدم شطر منها .
والخوف المذكور في الآية - ولمن خاف مقام ربه - ظاهره غير هذا الخوف فإن هذا خوف من العقاب وهو غير الخوف من قيامه تعالى على عبده بما عمل أو الخوف من مقامه تعالى من عبده فهو تأثر خاص ممن ليس له إلّا الصغار والحقارة تجاه ساحة العظمة والكبرياء ، وظهور أثر المذلة والهوان والاندكاك قبال العزة والجبروت المطلقين .
وعبادته تعالى خوفا منه بهذا المعنى من الخوف خضوع له تعالى لأنه اللّه ذو الجلال والإكرام لا لخوف من عقابه ولا طمعا في ثوابه بل فيه إخلاص العمل لوجهه الكريم ، وهذا المعنى من الخوف هو الذي وصف اللّه به المكرمين من ملائكته وهم معصومون آمنون من عقاب المخالفة وتبعة المعصية قال تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
( النحل / 50 ) .
فتبين مما تقدم أن الذين أشار إليهم بقوله :
« وَلِمَنْ خافَ »
أهل الإخلاص الخاضعون