حيث يخلع الإنسان عن نفسه لباس الفردية ، والشخصانية ، والأنا ، ليصبح تعبيراً عن الحقيقة الإنسانية كلها , فيكون ضميرها الحي ، ووجدانها الرضي , الذي يعطيها معناها الأصيل , ليعمرها بإشراقته , ويثير فيها نبضات الحياة , في ظل رضا خالق الوجود وواجب البقاء والخلود . .
فلا مجال بعد هذا للمقايسة بين الانتحار والاستشهاد في سبيل الله , فأين الثّرى من الثّريّا , وأين البقاء من الفناء , وأين الحياة من الموت .
النصوص الشرعية : اتجاهات ودلالات . .
وإذا أردنا أن نعود إلى النصوص الشرعية ودلالاتها , فسوف نجد أن نفس تشريع الجهاد , والقبول بمبدأ الاستشهاد ، يدل على أن الشارع قد قبل بمبدأ التضحية بالفرد في سبيل حفظ النوع , ولكنه عوّض هذا الفرد عن خسارته الدنيوية , بما هو أعظم وأهم , وأصلح , وأتم , حين منحه مقامات القرب , والرضا الإلهي ، وغمره بالهبات والعطايا في الحياة الآخرة ، حيث لحياته قوة ورسوخاً ، سواء من حيث شدّة الحضور فيها , أم من حيث امتداداتها في العالم الآخر , الذي هو الحياة الحقيقية * ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) * ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الآية 64 من سورة العنكبوت .