هامش
فتوى الفقيه تكون بنحو صرف الوجود ، ومع اتفاق الفتويين يكون الجامع بينهما حجة ، نظير الخبرين القائمين على حكم واحد ، فكما أنه
لا يجب على المجتهد أن يستند إلى أحدهما بعينه في استنباط الحكم ، بل يكفيه الاستناد في ذلك إلى الجامع بينهما ، فكذا في الفتويين
المتوافقتين بالنسبة إلى العامي . وعليه فالبحث عن موافقة الفتويين قليل الجدوى .
وإن كان المقلد عالما بمخالفة الفتويين في المسائل المبتلى بها كإفتاء أحدهما بوجوب السورة والاخر بعدمه ، وبطهارة الغسالة
ونجاستها ، واعتبار العربية في العقد وعدمه ، وهكذا ، فالمعروف في هذا الفرض - بل المدعى عليه الاجماع - هو وجوب تقليد الأعلم
عليه ، وقد اختاره الشيخ الأعظم ( قده ) كما تقدم في صدر المسألة .
ولعل الأولى التفصيل بين موافقة فتوى المفضول للاحتياط أو لمن هو أعلم من الاحياء والأموات أو للمشهور بين الأصحاب ، وعدم
موافقتها لذلك ، بوجوب العمل بفتوى المفضول في الصورة الأولى ، إلا بناء على سقوط حجية فتوى الميت من جميع الجهات حتى من جهة
المرجحية ، فتبقى الموافقة للاحتياط مرجحة أو موجبة لعرضية فتويي الفاضل والمفضول ، لكون الاحتياط مؤمنا ، بل لا يبعد حينئذ أن
يكون بناء العقلاء على تقديم فتوى المفضول على فتوى الفاضل ، فيصير التقديم اجتهاديا لا احتياطيا .
وإن كان المقلد جاهلا بمخالفة الفتويين في المسائل الابتلائية ، بأن يحتمل كلا من الموافقة والمخالفة ، فينبغي لتوضيح حكمه التعرض
لجهتين : إحداهما : ما يقتضيه الأصل العملي ، وثانيتهما :
ما يقتضيه الدليل الاجتهادي .
أما الجهة الأولى فمحصل الكلام فيها : أن مقتضى ما تقدم من تنجز الأحكام الواقعية بالعلم الاجمالي - وكون حجية فتاوى المجتهدين من
باب التعذير دون التنجيز - هو معذرية فتوى الأعلم قطعا ، دون فتوى المفضول ، للشك في معذريتها الموجب لعدم حكم العقل بالاجتزاء
بها في فراغ الذمة وسقوط التكليف ، بل حكمه بذلك مختص بالعمل بفتوى الأعلم ، فهي حجة تعيينية لا تخييرية .
وليس المقام من دوران الامر بين المطلق والمقيد حتى يجري الأصل في عدم وجوب المقيد كما تقدم مفصلا في ( ص 580 ) .
وأما الجهة الثانية فملخص البحث فيها : أنه قيل بعدم الجواز ، استنادا إلى ما استدلوا به على عدم