هامش
الأمر الثاني : أن أخبار الترجيح - كما تقدمت في توضيح المتن -
مختلفة المضامين .
فمنها : ما اشتمل على الترجيح بموافقة الكتاب ثم بمخالفة العامة
كمصحح عبد الرحمن .
ومنها : ما اقتصر فيه على الترجيح بموافقة الكتاب والسنة كما في خبر
الميثمي المروي عن العيون - بناء على كونه من أخبار الترجيح -
في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في
الشئ الواحد : ( فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما
على كتاب الله ، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا
ما وافق الكتاب ، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن
رسول الله صلى الله عليه وآله .
ومنها : ما اقتصر فيه على الترجيح بمخالفة العامة كخبر الحسن بن
الجهم .
ونسبة أخبار الترجيح بكل منهما على الانفراد مع مصحح عبد
الرحمن هي نسبة المطلق إلى المقيد ، ومن المعلوم اقتضاء الصناعة
التقييد ،
كاقتضائها تقييد مرجحية الكتاب بما دل على العرض على الكتاب
والسنة ، فيكون نتيجة التقييد العرض أولا على الكتاب والسنة ،
وثانيا على أخبار العامة أو آرائهم على حسب اختلاف الروايات .
الثالث : اختلف أخبار الترجيح بمخالفة العامة في كون المناط مخالفة
أخبارهم أم مخالفة العامة بقول مطلق الشامل لرأيهم وروايتهم ،
ففي مصحح عبد الرحمن : ( فما وافق أخبارهم فذروه ، وما خالف
أخبارهم فخذوه ) . وفي خبر الحسن بن الجهم : ( خذ بما خالف القوم ،
و
ما وافق القوم فاجتنبه ) فمدار الترجيح بمقتضى مصحح عبد الرحمن
هو مخالفة أخبارهم ، كما أنه بمقتضى خبر الحسن بن الجهم مخالفة
القوم ، الظاهر في رعاية ديدن القوم في المسألة بحيث يصح أن يقال :
( مسلك القوم كذا وكذا ) . ومن المعلوم أن النسبة بين المصححة وخبر
الحسن بن الجهم عموم من وجه ، لاجتماعهما في كثير من الأحكام الشرعية
التي تطابقت آراؤهم مع أخبارهم فيها ، فكل من الخبرين
يرجح الخبر المخالف لهم ، وافتراقهما فيما إذا كان الحكم في
أخبارهم أمرا ، وكانت فتاواهم مخالفة لها ، وفيما إذا أفتى مفتيهم
بشئ مع خلو أخبارهم عنه ، لعدم وفاء أخبارهم بجميع أبواب الفقه .
كما يظهر من تصريح أبي حنيفة في محاورته مع أبي عبد الله عليه
السلام بالافتاء بما أدى إليه رأيه والقياس فيما لا يعثر عليه في
الكتاب والسنة .
وعلى كل فمقتضى مصحح عبد الرحمن الاخذ بما خالف أخبارهم
سواء أفتى به فقهاؤهم أم لا ، ومقتضى خبر الحسن بن الجهم ترجيح
الخبر المخالف لآرائهم سواء طابقت أخبارهم أم لا ، فيتعارض الخبران
فيما إذا كان هناك خبران متعارضان أحدهما موافق لأخبارهم
والثاني موافق