هامش
ويشكل الأول أولا : بالفرق الموضوعي بين مسألة الدوران بين
المحذورين وبين مورد الموثقة بوجهين ، فلا يصح حمل قوله عليه
السلام : ( فهو في سعة ) على ما يستقل به العقل من التخيير .
أحدهما : أن حكم العقل بالتخيير في العمل في مسألة الدوران يتوقف
على العلم بجنس الالزام والشك في الخصوصيتين كما مثلوا له
بالحلف على فعل في وقت خاص أو على تركه .
وأما إذا دار حكم واقعة بين الوجوب والحرمة والإباحة فهو خارج
عن مورد الدوران بين المحذورين ، وتجري فيه البراءة الشرعية
كما تقرر في مجاري الأصول . ومفروض سؤال سماعة هو وصول
خبرين متعارضين أحدهما يأمر والاخر ينهى ، ومن المعلوم عدم
استلزامه للعلم بالالزام ، لاحتمال كذبهما معا ، وأن يكون حكم الواقعة
الإباحة . ولا قرينة في السؤال على حصول العلم بالالزام الجامع
بين الوجوب والحرمة من إخبار المخبرين حتى يندرج في مورد
الدوران .
ودعوى ( إفادة الحجتين التعبديتين للعلم بالالزام ، فلا يحتمل معهما
الإباحة ) ممنوعة بعدم اقتضاء حجية خبر الثقة حصول العلم بمؤداه ،
خصوصا مع تعارض الخبرين وتكاذبهما وعدم حجية شئ منهما ،
بعد كون الأصل الأولي في تعارض الطرق هو التساقط وعدم
نهوض دليل على حجية أحدهما تخييرا بعد .
ثانيهما : أن حكم العقل بالتخيير في مسألة الدوران بين المحذورين
منوط بعدم دليل يعين الوظيفة من عموم فوقاني يثبت أحد الحكمين ،
أو أصل عملي منجز له كالاستصحاب المثبت للتكليف ، إذ معه لا
تصل النوبة إلى التخيير ، وحيث لم يحرز وجود هذا الدليل أو الأصل
و
عدمه في مورد سؤال سماعة ، فلا سبيل لحملها على مورد الدوران ،
فإن حمل إطلاق جواب الإمام ( عليه السلام ) : ( فهو في سعة ) -
الشامل
لمورد وجود الأصل الحاكم وعدمه - على صورة عدمه حتى يكون
موردا للدوران بين المحذورين بلا وجه .
والحاصل : أن مجرد ورود خبرين متضمنين لطرفي الالزام لا يقتضي
درج المورد في الدوران بين المحذورين حتى تكون السعة
إرشادا إلى ما يستقل به العقل ، لما عرفت من اعتبار أمرين في مسألة
الدوران ، ولا سبيل لاحرازهما في الموثقة .
نعم لا بأس باستفادة الدوران بين المحذورين من مرسل سماعة بن
مهران عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : ( قلت يرد علينا حديثان واحد
يأمرنا والاخر ينهانا عنه ، قال : لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى
صاحبك فتسأله ، قلت : لا بد أن نعمل بواحد منهما ، قال : خذ بما فيه
خلاف
العامة ) .
وثانيا : أن إرادة الحجية التخييرية في موارد الدوران بين المحذورين
من قوله عليه السلام : ( فهو