تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الدراية — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
ما لم يتخلل في البين
شرح
شيئا وراء هذه الآنات المتصلة . وكذا الحال في الزماني كالتكلم وجريان الماء ونحوهما ، فان وجود كل جز من الكلام يتوقف على انعدام جزئه السابق . وعلى هذا فالامر التدريجي سنخ وجود يتقوم في ذاته بالتركب من الوجود والعدم ، والاشتباك بينهما ، ومن المعلوم أن هذا العدم المقوم للامر التدريجي لا يعقل أن يكون رافعا له ، لاستحالة كون مقوم الشئ رافعا له ، بل رافعه هو العدم البديل له أي القاطع للحركة ، كما إذا تحرك من داره إلى المسجد ، فان نفس حركته متقومة بالوجود والعدم أي بوضع قدم ورفع أخرى ، فهذا العدم دخيل في صميم الحركة وحاقها ، وعادمها هو التوقف في الطريق أو الجلوس فيها للاستراحة مثلا ، وما لم يتحقق هذا العدم النقيض فالحركة واحدة حقيقة ، فإذا شرع فيها فالتجددات المتصلة بالاتصال التعاقبي كلها بقاء ذلك الحادث الوحداني ، لان تعدد الوجود ينشأ من تخلل العدم بين الوجودات ، وما لم يتخلل العدم بينها لا يتعدد الامر التدريجي . إذا عرفت هذا اتضح جريان الاستصحاب في الأمور غير القارة كجريانه في القارة ، لكون مدار حجية الاستصحاب على صدق نقض اليقين بالشك عرفا ، ولما كان الامر التدريجي واحدا بنظر هم بحيث يعد أوله حدوثا وما بعده بقاء كالأمر القار ، فلا محالة يجري الاستصحاب ، لاجتماع أركانه من اليقين بالحدوث والشك في البقاء واتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة . ولا يخفى أن صدق النقض عرفا وان كان كافيا في التمسك بدليل الاستصحاب ، إلا أن المصنف ( قده ) يدعي وحدة القضيتين عقلا في مثل الزمان ، لاتصال أجزائه وعدم تخلل العدم بينها أصلا . نعم لا يصدق الوحدة العقلية في بعض الزمانيات كالتكلم والقرأة ، لما يتخلل في أثنائهما من التنفس والتنحنح ونحوهما مما يوجب انثلام الوحدة العقلية ، لكن الوحدة العرفية صادقة قطعا ، وهذا الصدق العرفي كاف في جريان الأصل .
منتهى الدراية — صفحة 393 | السيد محمد جعفر الجزائري المروج