ما لم يتخلل في البين
شرح
شيئا وراء هذه الآنات المتصلة . وكذا الحال في الزماني كالتكلم
وجريان الماء ونحوهما ، فان وجود كل جز من الكلام يتوقف على
انعدام جزئه السابق .
وعلى هذا فالامر التدريجي سنخ وجود يتقوم في ذاته بالتركب من
الوجود والعدم ، والاشتباك بينهما ، ومن المعلوم أن هذا العدم
المقوم للامر التدريجي لا يعقل أن يكون رافعا له ، لاستحالة كون مقوم
الشئ رافعا له ، بل رافعه هو العدم البديل له أي القاطع للحركة ،
كما إذا تحرك من داره إلى المسجد ، فان نفس حركته متقومة بالوجود
والعدم أي بوضع قدم ورفع أخرى ، فهذا العدم دخيل في صميم
الحركة وحاقها ، وعادمها هو التوقف في الطريق أو الجلوس فيها
للاستراحة مثلا ، وما لم يتحقق هذا العدم النقيض فالحركة واحدة
حقيقة ، فإذا شرع فيها فالتجددات المتصلة بالاتصال التعاقبي كلها بقاء
ذلك الحادث الوحداني ، لان تعدد الوجود ينشأ من تخلل العدم
بين الوجودات ، وما لم يتخلل العدم بينها لا يتعدد الامر التدريجي .
إذا عرفت هذا اتضح جريان الاستصحاب في الأمور غير القارة
كجريانه في القارة ، لكون مدار حجية الاستصحاب على صدق نقض
اليقين بالشك عرفا ، ولما كان الامر التدريجي واحدا بنظر هم بحيث
يعد أوله حدوثا وما بعده بقاء كالأمر القار ، فلا محالة يجري
الاستصحاب ، لاجتماع أركانه من اليقين بالحدوث والشك في البقاء
واتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة .
ولا يخفى أن صدق النقض عرفا وان كان كافيا في التمسك بدليل
الاستصحاب ، إلا أن المصنف ( قده ) يدعي وحدة القضيتين عقلا في
مثل الزمان ، لاتصال أجزائه وعدم تخلل العدم بينها أصلا . نعم لا
يصدق الوحدة العقلية في بعض الزمانيات كالتكلم والقرأة ، لما
يتخلل
في أثنائهما من التنفس والتنحنح ونحوهما مما يوجب انثلام الوحدة
العقلية ، لكن الوحدة العرفية صادقة قطعا ، وهذا الصدق العرفي
كاف في جريان الأصل .