تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الدراية — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
موضوعه إلا بنحو البدأ بالمعنى المستحيل ( 1 ) في حقه تعالى ، ولذا ( 2 ) كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا .
شرح
كان الموضوع معلوم البقاء ، فلا يتصور الشك حينئذ في بقاء الحكم ، لعدم تخلفه عن موضوعه ، ضرورة أن الموضوع كالعلة له ، فكما لا يتخلف المعلول عن العلة فكذلك لا يتخلف الحكم عن الموضوع . نعم يتصور التخلف بنحو البدأ ، كما إذا جعل حكما لموضوع إلى الأبد باعتقاد اشتماله على مصلحة دائمية ، وبعد مضي زمان ظهر له كون مصلحته موقتة ، فيرتفع الحكم عن موضوعه بانتفاء مصلحته ، وهذا هو البدأ المستحيل في حقه تعالى ، ولذا كان النسخ في الأحكام الشرعية دفعا لا رفعا ، والمراد بالدفع أن الحكم من أول الأمر كان محدودا بهذا الحد ، وتأخر بيان أمده لمصلحة ، لا أن الحكم شرع إلى الأبد ثم نسخ في هذا الزمان ، فإنه مستحيل في حقه سبحانه وتعالى ، لاستلزامه الجهل وعدم إحاطته بجهات الحسن والقبح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فليس النسخ رفعا لأمر ثابت ، بل دفعا أي إظهارا لعدم تشريع الحكم إلا موقتا ، لعدم المقتضي لتشريعه إلى الأبد . فصار المتحصل : أن منشأ الشك في بقاء الحكم الكلي الفرعي منحصر في اختلال بعض ما عليه الموضوع من الأوصاف كما عرفت في الأمثلة المذكورة ، ومعه لا يمكن إحراز وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ، وهذا بخلاف غالب الشبهات الموضوعية . ( 1 ) وهو أن يظهر للحاكم خطأ حكمه السابق فيعدل عنه . وأما البدأ بالمعنى الممكن أعني الابداء والاظهار فلا مانع منه ، وقد ذكرنا شطرا من الكلام المتعلق بالبداء في بحث العام والخاص ، فلاحظ . ( 2 ) أي : ولكون البدأ - بمعنى الظهور والعلم بالشئ - مستحيلا في حقه تعالى كان نسخ الحكم الشرعي بمعنى الدفع لا الرفع كما عرفت .
منتهى الدراية — صفحة 37 | السيد محمد جعفر الجزائري المروج