شرح
ومن هنا يظهر اندفاع توهم كفاية اختراع الماهيات الشرعية وجعلها
في اعتبار الجزئية ونحوها مما له دخل في تلك الماهيات ، حيث إن
الجعل فيها مستلزم لتحقق وحدة تقع موضوعا للامر ، فكل واحد
من ذوات الاجزاء متصف بالجزئية بالقياس إلى الوحدة الاعتبارية
الناشئة من قبل الجعل ، فلا حاجة إلى انتزاع عنوان الجزئية من الامر
المتعلق بالمتكثرات .
توضيح الاندفاع : أن معنى اختراع الماهيات هو تصورها ولحاظها بما
هي مشتملة على مصلحة مهمة باعثة على الامر ، ويكون كل واحد
من تلك الأمور المتكثرة دخيلا في تحصلها ، وبهذه الملاحظة وان
طرأ على الملحوظ وحدة ناشئة من قبل وحدة اللحاظ ، وبه يتصف
كل
واحد من الاجزاء بالجزئية للملحوظ ، لكنه ليس جزا للمأمور به ، بل
هو جز للملحوظ وجز محصل المصلحة . وأما الجزئية للمأمور به
فتتوقف على الامر المتعلق بالكل ، ومن المعلوم عدم كفاية مجرد
اللحاظ في صحة اعتبار الجزئية ونحوها للمتكثرات بعنوان كونها
أجزأ المأمور به ، بل لا بد من تعلق الامر بالماهية حتى يتصف كل
واحد من أجزائها بالجزئية للمكلف به ، فلو قال ألف مرة : ( جعلت
الشئ الفلاني جزا ) لم يصر جزا للمأمور به ما لم يؤخذ في متعلق الأمر
، وبمجرد أخذه فيه يصح انتزاع الجزئية له ، ولا ترتفع إلا برفع
الامر بالكل بنسخ الحكم الشرعي .
فالمتحصل : أن الجزئية للمأمور به وكذا الشرطية والمانعية والقاطعية
له منتزعة عن الامر المتعلق بعدة أمور متشتتة يجمعها غرض
واحد ، مقيدة بأمر وجودي كالطهارة في الصلاة ، أو عدمي كعدم لبس
الحرير وما لا يؤكل فيها .
وعليه فالقسم الثاني من الأحكام الوضعية لا يكون إلا مجعولا بتبع
الحكم التكليفي ، ولا جعل لها بالاستقلال ، لان جزئية السورة مثلا لا
تنتزع إلا عن الامر المتعلق بجملة أمور ، فبدون هذا الامر لا تنتزع
جزئيتها للمأمور به وان قال الشارع :
( جعلت السورة جزا للصلاة ) لما عرفت من توقف جزئية شئ
للمأمور به