شرح
العلية التامة بحيث لا يرضى بتركه أصلا كالعدل وشكر المنعم اللذين
هما علتان تامتان للحسن ، وإما على وجه الاقتضاء كالصدق ، حيث إنه
مقتض للحسن ، ولا يرضى العقل بتركه الا إذا ترتب عليه مفسدة
كتلف نفس محترمة . وقد يدرك قبح الفعل كذلك يعني على وجه
العلية التامة كالظلم ، أو على وجه الاقتضاء كالكذب ، فإنه مقتض للقبح
ومؤثر فيه لولا المانع كما إذا ترتب على الكذب مصلحة كنجاة
مؤمن ونحوها من المصالح . وقد اتفقت العدلية على حكم العقل
بحسن الفعل وعدم الرضا بتركه تنجيزا في صورة عليته للحسن ،
وتعليقا في صورة اقتضائه له ، وكذا على حكمه بقبح الفعل والمنع عنه
تنجيزا وتعليقا في صورتي العلية والاقتضاء ، وعلى حكمه أيضا
بعدم المنع عن الافعال الضرورية المقومة للحياة كالأكل والشرب
واستنشاق الهواء .
ولكنهم اختلفوا في حكم العقل بالجواز وعدمه فيما لا يستقل بحسنه
وقبحه من الافعال غير الضرورية على أقوال ثلاثة :
الأول : أن الأصل في الأشياء التي لا يدرك العقل حسنها ولا قبحها ولا
هي مضطر إليها الحظر أي المنع ، وأن العقل يحكم بعدم جوازها
ما لم يرد رخصة من الشارع فيها ، ويعبر عنه بأصالة الحظر ، ذهب إليه
كثير من البغداديين - كما في عدة الأصول - وطائفة من
الامامية ، ووافقهم عليه جماعة من الفقهاء ، ونظرهم في ذلك إلى أن
الأشياء كلها مملوكة لله تعالى ، فلا يجوز التصرف فيها بدون اذنه ،
لعدم جواز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه .
الثاني : أن الأصل فيها الإباحة ، وأن العقل يحكم بجوازها ما لم يصل
من الشارع منع عنها ، ويعبر عنه بأصالة الإباحة ، ذهب إليه كثير من
متكلمي البصريين وكثير من الفقهاء ، واختاره السيد مرتضى ( قده )
ونظرهم في ذلك