هامش
وأما بناء على ذلك كما هو ظاهر قول المصنف ( قده ) تعليلا لوجوب
المعرفة ( أداء لشكر بعض نعمائه ) فيكون وجوبها نفسيا عقليا ، لا
غيريا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح .
وبالجملة : فوجوب المعرفة نفسيا عقليا موقوف على كونها بنفسها
شكرا ، وعلى كون الشكر واجبا ، وعلى قاعدة التحسين . والكل
مخدوش ، لعدم كون مجرد المعرفة بنفسها شكرا للمنعم ، لان الشكر
لغة هو الاعتراف بالنعمة وفعل الطاعة وترك المعصية ، قال في
مجمع البحرين : ( وشكرت الله اعترفت بنعمته وفعلت ما يجب من
فعل الطاعة وترك المعصية ) وإليه يرجع ما في الشوارق من ( أن
الشكر اللغوي هو الثناء على الاحسان ) وعرفا كما في الشوارق أيضا
( هو الفعل المنبئ عن تعظيم المنعم ) فالمعرفة بنفسها ليست شكرا
لا لغة ولا عرفا . وبعد تسليم كونها شكرا لا يستلزم حسنها وجوبها .
وقاعدة التحسين والتقبيح وان كانت مسلمة عند العدلية ، لكن
المقام ليس من صغرياتها ، لان وجوب دفع الضرر ليس من الأحكام العقلية
، بل هو من الفطريات المجبولة عليها النفوس من دون توقفه
على حكم العقل بحسنه ، بداهة أن كل ذي شعور والتفات وان لم
يكن من ذوي العقول يفر من الشئ المضر ، كما هو المشاهد في
الحيوانات ، كما أنه يسعى إلى الشئ النافع ويميل إليه ويرجح فعله
على تركه ، فان الفرار من الضرر والسعي إلى النفع لا يتوقفان على
حكم العقل بحسنه أو قبحه ، والا لاختصا بذوي العقول ، بل هما من
الأمور الفطرية لكل ذي شعور وان كان حيوانا ، ولا ربط لهما
بالتحسين والتقبيح العقليين .
فالحق أن يقال : ان وجوب المعرفة فطري غيري لا شرعي ولا نفسي
عقلي .