فالإلزام بالتمذهب بمذهب فقهي معيّن بدعة مخالفة للأُصول ، والأُمة الإسلامية جرت منذ أمد طويل على الأخذ بفتاوى الفقهاء الذين سبقوا أصحاب المذاهب الأربعة ، وكان هذا ديدنهم إلى أن تدخلت السياسة في ذلك المضمار فألغت سائر المذاهب الفقهية وأضفت الرسمية على الأربعة منها فقط .
وهناك كلمة لابن قيم الجوزية جاء فيها :
لا واجب إلاّ ما أوجبه اللّه ورسوله ، ولم يوجب اللّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأُمّة فيقلده دينه دون غيره ، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة - إلى أن قال : - وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأُمّة لم يقل بها أحد من أئمّة الإسلام ، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً ، واعلم باللّه ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك ، وأبعد منه قول من قال : يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء ، وأبعد منه قول من قال : يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة .
فياللّه العجب ! ماتت مذاهب أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمّة الإسلام وبطلت جملة ، إلاّ مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمّة والفقهاء .
وهل قال ذلك أحد من الأئمّة ، أو دعا إليه ، أو دلّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه ؟ والذي أوجبه اللّه تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة . ( 1 )
كان الناس أحراراً في تقليد المذاهب التي صحت عن أصحابها إلى أن تدخلت السلطة في حصر المذاهب بالأربعة ، كما عرفت من ابن الفوطي
هامش
1 . إعلام الموقعين عن رب العالمين : 4 / 262 - 263 .