فتارة يقول بقول واحد من هؤلاء الأئمّة الأربعة في مسألة ، ويقول في مسألة أُخرى بقول الآخر ، فيلفّق بين أقوال الأربعة ، وتارة يخترع في بعض المسائل وينفرد بقول لم يدخل في تلك الأقاويل . ( 1 )
مضاعفات حصر المذاهب
وقد أعقب حصر المذاهب في الأربعة استيلاء الجمود والركود على الفقهاء منذ منتصف القرن السابع الهجري ، فلم يكن لهم بُدّ إلاّ السير على ضوء هذه المذاهب ، وإن أدركوا بذكائهم أنّ الحقّ في غيرها ، وربما امتلكوا مؤهلات فكرية لو استخدموها في استنباط الأحكام لوصلوا إلى ما لم يصل إليها السابقون .
أمّا باب الاجتهاد ، عند الشيعة فهو مفتوح على مصراعيه فلم يغلق منذ فتح بابه ، وقد أنجبت المدرسة الشيعية العديد من المجتهدين والفقهاء إلى يومنا هذا ، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس والانكماش ، فافتوا بحرمة تقليد المجتهد الميت ولزوم الرجوع إلى المجتهد الحي ، وصار هذا سبباً لانتعاش الاجتهاد وراج سوقه في الجامعات الإسلامية ، واكتظت برواد العلم ، فلم يزل المجتهد الحي مقلّداً يأخذ بزمام الأُمور إلى أن يفارق الحياة ، فيقوم مقامه مجتهد آخر يرجع إليه الناس في أُمور دينهم ودنياهم ، وبذلك صار الفقه الشيعي يساير سنن الحياة وتطوّرها ، وصارت النصوص الشرعية في ظل الاجتهاد حيّة مرنة نامية متطوّرة تتمشى مع نواميس الزمان والمكان ، فلا جمود حتى يباعد الدين عن الدنيا ولا العقيدة عن الحياة .
وفي هذا تذكرة للمفكّرين من أهل السنّة في أن يقوموا بإنهاض الفقه وإنعاشه حتى يواكب مستجدات الزمان .
هامش
1 . رياض العلماء : 4 / 33 و 34 ، ذيل ترجمة الشريف المرتضى .