سوى أخذ الحديث وجمعه من كلّ من هبّ ودب ، إلى معتزلي لا يقيم للسنّة وزناً ويعتمد على العقل في كافة المجالات ، إلى أشعري يحاول صياغة السلفية بأُطر عقلية ، إلى زيدي يقتفي إثر المعتزلة في الأُصول ، والحنفية في الفروع ، إلى غير ذلك من التيارات الفكرية التي كانت رائجة في تلك الأزمنة . التي حاولت القضاء على الفكر الشيعي الإمامي .
فوسط هذا العجاج بزغ نجم شيخنا المفيد ( رحمه الله ) فقام خير قيام بتثبيت الهوية الفكرية الشيعية ، وتصدّى للمخالفين خصوصاً من يتّهمون المذهب الإمامي بأقاويل فاسدة وينسبون إليه آراءً زائغة قصداً للتشنيع والتنكيل ، كالقول بالجبر والتشبيه والتجسيم التي هي على جانب النقيض من عقائد الشيعة .
وقد كان ليراعه وبيانه أثر بالغ في إخضاع المخالف للعقيدة الحقّة وتبكيته على وجه اعترف به الموافق والمخالف ، فهذا هو اليافعي يعرّفه في « تاريخه » في حوادث سنة 413 ه بقوله :
توفي فيه عالم الشيعة وعالم الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة ، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً البارع في الكلام والجدل والفقه ، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية .
قال ابن أبي طي : وكان كثير الصدقات ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم ، خشن اللباس .
وقال غيره : كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد وكان ربعة نحيفاً أسمر ، عاش ستاً وسبعين سنة ، وله أكثر من مائتي مصنّف ، وكانت جنازته مشهودة ، وشيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة ، وأراح اللّه منه ، وكان موته في رمضان . ( 1 )
هامش
1 . اليافعي : التاريخ : 3 / 28 ، طبعة 1338 ه .