ويظهر ممّا رواه البخاري انّ عمر بن الخطاب كان يتبنّى تلك الفكرة حتى
في عصر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) روى ابن عباس ، قال : لما اشتدّ بالنبي الوجع قال : « ائتوني
بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده » .
قال عمر : إنّ النبي غلبه الوجع ، وعندنا كتاب اللّه ، حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط .
قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع » .
فخرج ابن عباس يقول :
إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه . ( 1 )
ولا أظن أحداً يوافق الخليفة فيما ادّعاه ، وإنّما هي كلمة صدرت عنه للحيلولة دون كتاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولم يكن هذا المنع هو الموقف الأخير من الخليفة ، بل له مواقف أُخرى أشدّ من ذلك ، فقد منع كتابة الحديث وتدوينه بعد رحيل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بوجه بات ، وبذلك جسّد ما قاله أمام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : حسبنا كتاب اللّه ، وصار منعه فيما بعد سنّة رائجة إلى أواسط القرن الثاني .
روى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن ، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً ، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له ، فقال : إنّي كنت أردت أن أكتب السنن وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها ، وتركوا كتاب اللّه ، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً . ( 2 )
وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً
هامش
1 . البخاري : الصحيح : 1 / 39 ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم .
2 . تقييد العلم : 49 .