وقد صار عمل الخليفتين سنّة ، فمشى عثمان مشيهما ، ولكن بصورة محدودة ،
وقال على المنبر : لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد
عمر . ( 1 )
كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخليفتين أيضاً ، فخطب وقال : يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه ، وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر . ( 2 )
حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة ، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه . ( 3 )
وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة رائجة ، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها .
لا أظن أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينهى عن تدوين المصدر الثاني للتشريع ، بالرغم من أمره بكتابة ما هو أدون منه شأناً ، بل لا يقاس به ، ككتابة الدين ، قال سبحانه : ( وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرتابُوا ) . ( 4 )
إنّ الشريعة الإسلامية شريعة خاتمة كنبوتها ، وهي قائمة على دعامتين : الكتاب والسنّة ، فكيف يعقل أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أخذ بزمام أحدهما وترك الآخر ، مع أنّ في تركها تقويضاً لعرى الدين .
فإذا كانت هذه عاقبة السنّة النبوية وما آلت إليه من إجحاف الدهر عليها ،
هامش
1 . كنز العمال : 10 / 290 ح 29490 .
2 . كنز العمال : 10 / 291 ح 29473 .
3 . فرقة السلفية : 14 ، نقلاً عن مسند الإمام أحمد .
4 . البقرة : 282 .