الفصل السادس
الأمارات الغير العلميّة
وفيه مباحث :
المبحث الأوّل : في إمكان التعبّد بها
المراد بالإمكان
و " الإمكان " يطلق في العلوم العقليّة على معان ، لا يهمّنا التعرّض لها ( 1 ) .
والظاهر أنّ المراد به هاهنا غيرها ، بل يطلق هاهنا باصطلاح خاصّ بالاُصوليّ ؛
وهو الإمكان الوقوعي ( 144 ) - أي ما لا يلزم من وقوعه محال - وهو غير الإمكان
هامش
1 - اُنظر الحكمة المتعالية 1 : 149 - 154 .
144 - بل المراد الإمكان الاحتمالي الواقع في كلام الشيخ رئيس الصناعة من أنّه " كلّما قرع
سمعك من الغرائب ، فذره في بقعة الإمكان ، ما لم يذدك عنه قائم البرهان " . والإمكان
الاحتمالي معناه تجويز وقوعه ، في مقابل ردعه وطرحه بلا برهان ، وإن شئت قلت : عدم
الأخذ بأحد طرفي القضية والجزم بإمكانه أو امتناعه ، كما هو ديدن غير أصحاب
البرهان . وهذا من الأحكام العقلية ، يحكم به العقل السليم ، ولو جرى عليه العقلاء في
اجتماعهم ، فلأجل حكم عقولهم الصحيحة ، وليس بناء منهم على الإمكان لمصلحة من
المصالح الاجتماعية ، كما هو الحال في سائر اُصولهم العقلائية .
ثمّ إنّ ما هو المحتاج إليه في هذا المقام هو الإمكان الاحتمالي ، فلو دلّ دليل على حجّية
الظنون وجواز العمل بآحاد الأخبار ، لا يجوز رفع اليد عن ظواهر تلك الأدلّة ما لم يدلّ
دليل قطعي على امتناعه .
نعم ، لو دلّ دليل قطعي على امتناعه ، يؤوّل ما دلّ على حجّيتها بظواهره ، فاللازم ردّ ما
استدلّ به القائل على الامتناع ، حتّى ينتج الإمكان الاحتمالي ، فيؤخذ بظواهر أدلّة
الحجّية .
وبذلك يظهر : أنّ تفسير الإمكان بالذاتي والوقوعي في غير محلّه ؛ إذ مع أنّه لا طريق
إليه ، غير محتاج إليه . ( تهذيب الاُصول 2 : 130 ) .