فهو صحيح لو كان وقوع التعبّد بها قطعيّاً ، وليس كذلك ؛ لأنّ الأدلّة الدالّة
عليه ظنّيات سنداً ، أو دلالة ، أو كليهما ( 145 ) ، ومثلها لا تدلّ على الإمكان ،
ولا تكشف عنه حقيقةً . وليس الإمكان أمراً يمكن التعبّد به شرعاً ؛ فإنّه أمرٌ
عقليّ ، لا أثر عمليّ .
استدلال ابن قبة لامتناع التعبّد بالأمارات
ثمّ إنّ ابن قبة قد استدلّ على الامتناع بدليلين ( 2 ) :
أحدهما : أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
لجاز التعبّد به في الإخبار عن الله تعالى ، والثاني باطل إجماعاً ، فكذا الأوّل ( 3 ) .
والظاهر أنّ مراده من " الإخبار عن الله " هو إخبار المُتنبّي عن الله تعالى
هامش
145 - اعلم : أنّ الأمارات المتداولة على ألسنة أصحابنا المحقّقين كلّها من الأمارات العقلائية
التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم وسياساتهم وجميع اُمورهم ؛ بحيث لو ردع الشارع عن
العمل بها ، لاختلّ نظام المجتمع ووقفت رحى الحياة الاجتماعية ، وما هذا حاله لا معنى
لجعل الحجّية له وجعله كاشفاً محرزاً للواقع بعد كونه كذلك عند كافّة العقلاء ، وها هي
الطرق العقلائيّة - مثل الظواهر وقول اللّغوي وخبر الثقة واليد وأصالة الصحّة في فعل
الغير - ترى أنّ العقلاء كافّة يعملون بها من غير انتظار جعل وتنفيذ من الشارع ، بل لا دليل
على حجّيتها - بحيث يمكن الركون إليه - إلاّ بناء العقلاء ، وإنّما الشارع عمل بها كأنّه
أحد العقلاء . وفي حجّية خبر الثقة واليد بعض الروايات التي يظهر منها بأتمّ ظهور ، أنّ
العمل بهما باعتبار الأمارية العقلائية ، وليس في أدلّة الأمارات ما يظهر منه بأدنى ظهور
جعل الحجّية وتتميم الكشف ، بل لا معنى له أصلاً . ( أنوار الهداية 1 : 105 و 106 ) .
2 - وقد حكيا عن الجبائي أيضاً ، اُنظر فواتح الرحموت ، المطبوع في ذيل المستصفى من علم
الاُصول 2 : 131 .
3 - معارج الاُصول : 141 .