حجّة ، فلابدّ لكلّ مكلَّف أن يتفحّص عن مرادات الله وأحكامه الواقعيّة بالمقدار
الميسور له ( 106 ) .
هذا حال لزوم الفحص بناء على ما ذهبنا إليه ، وقد عرفت : أنّ المناط فيه
هامش
106 - التحقيق ما أفاد المحقّق الخراساني في المقام ، وتوضيحه : أنّ الشارع لم يسلك في
مخاطباته غير ما سلك العقلاء ، بل جرى في قوانينه على ما جرت به عادة العقلاء
وسيرتهم ، لكن ديدنهم في المخاطبات العادية والمحاورات الشخصية بين الموالي
والعبيد وغيرهم ، عدم فصل المخصّصات والمقيّدات والقرائن ؛ ولهذا تكون العمومات
والمطلقات الصادرة منهم في محيط المحاورات حجّة بلا احتياج إلى الفحص ، ولا يعتني
العقلاء باحتمال المخصّص والمقيّد المنفصلين ، ويعملون بالعمومات والإطلاقات بلا
انتظار . هذا حال المحاورات الشخصية .
وأمّا حال وضع القوانين وتشريع الشرائع لدى جميع العقلاء ، فغير حال المحاورات
الشخصية ، فترى أنّ ديدنهم في وضع القوانين ذكر العمومات والمطلقات في فصل ومادّة ،
وذكر مخصّصاتها ومقيّداتها وحدودها تدريجاً ونجوماً في فصول اُخر .
والشارع الصادع جرى في ذلك على ما جرت به طريقة كافّة العقلاء ، فترى أنّ القوانين
الكلّية في الكتاب والسنّة منفصلة عن مخصّصاتها ومقيّداتها ، فالأحكام والقوانين نزلت
على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نجوماً في سنين متمادية ، وبلّغها حسب المتعارف في تبليغ القوانين
للاُمّة ، وجمع علماؤها بتعليم أهل بيت الوحي القوانين في اُصولهم وكتبهم .
فإذن تكون أحكامه - تعالى - قوانين مدوّنة في الكتاب والسنّة والعمومات والمطلقات
التي فيها في معرض التخصيص والتقييد ، حسب ديدن العقلاء في وضع القوانين السياسية
والمدنية ، وما هذا حاله ليس بناء العقلاء على التمسّك فيه بالاُصول بمجرّد العثور على
العمومات والمطلقات من غير فحص ؛ لأنّ كونهما في معرض المعارضات يمنعهم عن
إجراء أصالة التطابق بين الاستعمال والجدّ ، ولا يكون العامّ حجّة إلاّ بعد جريان هذا
الأصل العقلائي ، وإلاّ فبمجرّد ظهور الكلام وإجراء أصالة الحقيقة والظهور لا تتمّ
الحجّية ، فأصالة التطابق من متمّماتها لدى العقلاء . ( مناهج الوصول 2 : 275 - 276 ) .