من اللفظ ، لكن لا يمكن الاحتجاج على المتكلّم بأنّه نطق بها ، فإذا قال المتكلّم :
" إن جاءك زيدٌ فأكرمه " يفهم منه أنّه إذا لم يتحقّق المجيء لا يجب الإكرام ، لكن
لا يجوز أن يحتجّ على المتكلّم بأنّك قلت : إذا لم يتحقّق المجيء لا يجب الإكرام ،
وإذا قيل له : لِمَ قيّدتَ كلامك بالمجيء ؟ له أن يعتذر بأعذار .
وبالجملة : إنّ دلالة المفهوم خارجة عن الدلالات الثلاث ، التي هي في
محلّ النطق ( 80 ) .
لكنّ المتأخّرين لمّا لم يتأمّلوا في كلام القدماء حقّ التأمّل ، وظنّوا أنّ دلالة
المفهوم من قبيل دلالة الالتزام - أي ما يكون لازم المعنى خارجاً ( 2 ) - وقعوا في
" حيصَ بيصَ " في توجيه المفاهيم ، فقالوا : إنّ أداة الشرط تدلّ على العلّيّة
المنحصرة ( 3 ) ، والوصف المعتمد يُشعر بالعلّيّة ( 4 ) ، وتجاوزوا عن الإشعار إلى
الدلالة ، وعنها إلى الدلالة المنحصرة ( 5 ) ( 81 ) .
هامش
80 - المراد : أنّ المفهوم مستفاد من وجود القيد ، وأنّ الظاهر من إتيان القيد - بما أنّه فعل
اختياري للمتكلّم - دخالته في الموضوع ، وأنّه مع انتفائه ينتفي الحكم ، فتكون دلالته
عليه بغير الدلالات اللفظية الالتزامية ، كما هو كذلك عند المتأخّرين بناء على استفادة
الحصر من الإطلاق ، وسيتّضح الفرق بينهما . ( مناهج الوصول 2 : 176 ) .
2 - مفاتيح الاُصول : 221 / السطر 21 ، ضوابط الاُصول : 105 / السطر 29 .
3 - اُنظر الفصول الغروية : 148 / السطر 1 .
4 - قوانين الاُصول 1 : 181 / السطر 6 ، الفصول الغرويّة : 152 / السطر 31 ، مطارح
الأنظار : 183 / السطر 30 .
5 - شرح المولى صالح المازندراني على المعالم : 107 / السطر 13 ، وانظر مفاتيح الاُصول :
218 / السطر 20 ، وذكرى الشيعة 1 : 53 .
81 - يمكن انطباق تعريف الحاجبي على كلٍّ من المسلكين ؛ فإنّه عرّف المنطوق بما دلّ عليه
اللفظ في محلّ النطق ، والمفهوم بما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق .
فيمكن أن يقال : أراد من دلالته في محلّ النطق دلالة المطابقة ، أو هي مع التضمّن ، ومن
دلالته لا في محلّه دلالة الالتزام ؛ حيث إنّ اللفظ دالّ على اللازم بواسطة دلالته على
المعنى المطابقي ، مع عدم كون الدلالة عليه في محلّ النطق ، فإذا أخبر المتكلّم : بأنّ
الشمس طالعة ، دلّ لفظه على طلوع الشمس في محلّ النطق ؛ أي كان لفظه قالباً للمعنى
المطابقي ، ودلّ على وجود النهار مع عدم النطق به .
أو يقال : أراد من محلّ النطق الدلالات اللفظيّة مطلقاً ، ومن غيره دلالة اللفظ - بما أنّه
فعل اختياري للمتكلّم - على دخالته في موضوع الحكم ، فدلّ على الانتفاء عند الانتفاء .
وأنت خبير : بأنّ ظاهر الحاجبي هو الأوّل ، ولهذا يمكن أن يكون مراد القدماء - أيضاً -
موافقاً للمتأخّرين ، مضافاً إلى بعد دعواهم استفادة المفهوم من صرف وجود القيد ، مع كونه
ظاهر الفساد .
وبالجملة : في صحّة النسبة المتقدّمة إلى القدماء تردّد .
وكيف كان ، فالمفهوم هو قضيّة غير مذكورة مستفادة من المذكورة ، وهذا ينطبق على
المسلكين ؛ فإنّ طريق الاستفادة قد يكون بدلالة اللفظ ، وقد يكون بأصل عقلائي . ( مناهج
الوصول 2 : 176 - 178 ) .