المفهوم من حيث هو فلا يتّصف بهما ، كما أنّ الموجود من حيث هو لا يتّصف بهما ،
وإنّما يتّصف الموجود لأجل انطباق المفهوم المتوقّع وجوده عليه وعدمه . فكلّ
موجود يتوقّع لدى تحقّقه انطباق المفهوم والعنوان الذي له آثار عليه ، يكون
صحيحاً إذا تحقّق المفهوم به وانطبق عليه ، ولا محالة تترتّب عليه الآثار
المتوقّعة من هذا العنوان ، وفاسداً إذا لم ينطبق عليه ؛ لأجل فقدان ما يعتبر فيه
من جزء أو شرط أو عدم مانع . فالصلاة من حيث مرتبة ذاتها وماهيّتها لا تتّصف
بالفساد ، بل هي ليست إلاّ هي ؛ فإنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي ، كما أنّ
ما وجد في الخارج من التكبيرة والقراءة والركوع والسجود من حيث هي
وجودات لا تتّصف به ، بل المتّصف بالصحّة والفساد هو هذا الموجود المركّب ؛
باعتبار ملاحظتها مع مفهوم الصلاة المتوقّع وجودها به ، فإذا انطبق عليه عنوان
الصلاة يتّصف بالصحّة ويترتّب عليه آثارها ، وذلك لا يكون إلاّ بعد [ تحقّق ]
الموجود الخارجي بجميع ما يعتبر في ماهيّة الصلاة وجوداً وعدماً ، وإذا لم ينطبق
عليه لنقصان فيه يتّصف بالفساد ، وإذا انطبق عليه الصلاة يكون لا محالة
مُسقطاً للقضاء والإعادة ، وموافقاً للأمر والشريعة .
فما وقع في كلمات القوم من الاُصوليين والمتكلّمين ( 1 ) تعريفات باللوازم ،
لا تحصيل معنى الصحّة والفساد .
وعلى ما ذكرنا : لا مانع من تفسير الصحيح بالتامّ ، والفاسد بالناقص ؛
بالمعنى الذي ذكرنا ( 76 ) .
هامش
1 - اُنظر المستصفى من علم الاُصول 1 : 94 ، 95 ، والمحصول في علم اُصول الفقه 1 : 26 ،
والفصول الغروية : 140 / السطر 1 ، ومطارح الأنظار : 159 / السطر 3 .
76 - قالوا : الصحّة والفساد أمران إضافيان بينهما تقابل العدم والملكة ، مساوقان معنى للتمام
والنقص لغةً وعرفاً ، وكذا في نظر الفقهاء والمتكلّمين ، واختلاف تعبير الفريقين لأجل ما هو
المهمّ في نظرهما .
أقول : أمّا مساوقتهما للتمام والنقص عرفاً ولغة فهو واضح الفساد ؛ لاختلاف مفهومهما
وموارد استعمالهما ، فلا يقال لإنسان فاقد لبعض الأعضاء : إنّه فاسد ، ويقال : ناقص ، والدار
التي بعض مرافقها ناقصة لا يقال : إنّها فاسدة ، ولا لما تمّت مرافقها : إنّها صحيحة بهذا
الاعتبار .
فالتمام والصحّة عنوانان بينهما عموم من وجه بحسب المورد ، فالنقص بحسب الأجزاء
غالباً ، والتمام مقابله .
وأمّا الصحّة فغالب استعمالها في الكيفيات المزاجية أو الشبيهة بها ، ومقابلها الفساد ،
وهو كيفية وجودية عارضة للشيء منافرة لمزاجه ، ومخالفة لطبيعته النوعية ،
فالفاكهة الفاسدة ما عرضتها كيفية وجودية منافرة لمزاجها ، تتنفّر عنها الطباع غالباً ،
فبين الصحّة والفساد تقابل التضادّ لو سلّم كون الصحّة وجودية ، وبين النقص والتمام
تقابل العدم والملكة . هذا بحسب اللغة والعرف .
وأمّا في العبادات والمعاملات ، فلا إشكال في استعمال الصحّة والفساد فيها مع فقد جزء أو
شرط أو وجود مانع ، فكأنّهما مساوقان للتمام والنقص أو قريبان منهما ، لكن يمكن أن
يكون بوضع جديد ، وهو بعيد عن الصواب ، ويمكن أن يكون باستعمالهما مجازاً ثمّ بلغا إلى
حدّ الحقيقة .
فالصحّة في الماهيات المخترعة صفة لمصداق جامع لجميع الأجزاء والشرائط ، مطابق
للمخترع والقانون ، والفساد مقابلها ، وبينهما في هذا المورد تقابل العدم والملكة ، وبهذا
المعنى يمكن أن يقال : إنّهما أمران إضافيان ؛ لإمكان أن يكون عبادة تامّة الأجزاء ناقصة
الشرائط ، وبالعكس .
وأمّا الصحّة بالمعنى المتعارف ، فليست كذلك ، إلاّ بالإضافة إلى حالات المكلّفين .
وأمّا اختلاف الأنظار في صحّة عبادة وعدمها ، فلا يوجب إضافيتهما ؛ لأنّ الأنظار طريق إلى
تشخيص الواقع ، فكلّ يخطئ الآخر ، فما في كلام المحقّق الخراساني - من إثبات إضافيتهما
بذلك - غير تامّ . ( مناهج الوصول 2 : 153 - 154 ) .