وجه ، وهذا المورد متسا لم عليه بينهم ( 1 ) ، وفيما إذا كان المنهيّ عنه أخصّ مطلقاً
- سواء كانت الأخصيّة بحسب المورد أو بحسب المفهوم - وهذان الموردان محلّ
الإشكال في جريانه ، وقد عرفت أنّ التحقيق جريانه فيهما وتحقّق ملاكه فيهما ،
بل كلّ مورد يكون فيه بين العنوانين عموم وخصوص يرجع إلى العموم المطلق ؛
فإنّ النهي ينحلّ إلى نواه مستقلّة ، فكلّ تصرّف في المغصوب يكون متعلَّقاً لنهي
مستقلّ ، ونسبة هذا النهي الانحلالي إلى الأمر تكون بالأخصّيّة المطلقة ، كما
هو واضح .
التنبيه الرابع : لافرق في جريان النزاع بين أقسام الأمر والنهي
لا فرق في جريان النزاع بين الأمر الوجوبي والندبي ( 2 ) والنهي التحريمي
والتنزيهي ( 3 ) ، فَعَلى القول بالامتناع يمتنع اجتماعهما - بأيّ نحو كان الأمر
والنهي - فإنّ تمام الملاك للامتناع هو الضدّية ، ومعلوم أنّ الأحكام الخمسة
بأسرها متضادّة ، فكما يمتنع اجتماع الأمر الوجوبي والنهي التحريمي بملاك
الضدّيّة ، كذلك يمتنع اجتماع كلّ أمر ونهي - بأيّ مرتبة كانا - في شيء واحد بجهة
واحدة ؛ لتحقّق الملاك في الجميع ( 73 ) .
هامش
1 - نهاية الوصول : 157 / السطر 24 ، معا لم الدين : 98 ، الفصول الغروية : 125 /
السطر 8 .
2 - الوافية في اُصول الفقه : 96 ، الفصول الغروية : 129 / السطر 8 ، خلافاً لما في مطارح
الأنظار : 127 / السطر 25 .
3 - الوافية في اُصول الفقه : 94 ، الفصول الغروية : 129 / السطر 8 .
73 - عرّف الضدّان : بأنّهما أمران وجوديان لا يتوقّف تعقّل أحدهما على الآخر ، بينهما غاية
الخلاف ، يتعاقبان على موضوع واحد ، لا يتصوّر اجتماعهما فيه .
قا لوا : ومن شرط التضادّ أن تكون الأنواع الأخيرة التي توصف به ، داخلة تحت جنس
واحد قريب ، فلا يكون بين الأجناس ولابين صنفين من نوع واحد ولا شخصين منه تضادّ .
وهذا التعريف لا يصدق على الأحكام الخمسة ، سواء جعلت الإرادات المظهرة أو نفس
البعث والزجر ؛ لأنّه إن جعلت الإرادات فلم تكن الأحكام أنواعاً مختلفة تحت جنس
قريب .
أمّا الواجب والمستحبّ وكذا الحرام والمكروه ، فواضح ؛ لأنّ الإرادة الوجوبية
والاستحبابية مشتركتان في حقيقة الإرادة ، وممتازتان بالشدّة والضعف ، وكذا الحال في
الحرمة والكراهة ؛ لأنّ المبدأ القريب للزجر - تحريمياً كان أو تنزيهياً - هو الإرادة ، فإذا
أدرك المولى مفسدة شرب الخمر ، يتوسّل إلى سدّ بابه بزجر العبيد تشريعاً ، فيريد الزجر
التشريعي ، فيزجرهم عنه ، فإرادة الزجر المظهرة إذا كانت إلزامية ، ينتزع منها التحريم
على هذا المبنى ، وإذا كانت غير إلزامية ، ينتزع منها الكراهة ، فالإرادة مبدأ الزجر والبعث
والإباحة الشرعية .
وما اشتهر بينهم : من تقابل الإرادة والكراهة ، وجعلوا الكراهة مبدأ للنهي ، والإرادة للأمر ،
ليس على ما ينبغي ؛ لأنّ الكراهة لصدور الفعل من المكلّف ليست في مقابل إرادة البعث ،
بل مقابلة للاشتياق إلى صدوره منه ، فكما أنّ استحسان عمل والاشتياق إلى صدوره من
المكلّف صارا مبدأ لإرادة بعثه نحو الفعل ، فكذا استقباح عمل وكراهة صدوره منه صارا
مبدأ لإرادة الزجر التشريعي والنهي عنه ، فنفس الكراهة ليست بمبدأ قريب للنهي ؛
ضرورة مبدئية الإرادة لصدور جميع الأفعال .
فبناء على انتزاع الحكم من الإرادة المظهرة لا فرق بين الوجوب وغيره في كون مبدئها
الإرادة ، فلا تكون الأحكام أنواعاً مختلفة مندرجة تحت جنس قريب ، فلا تضادّ بينها ،
ومطلق عدم الاجتماع لا يوجب الاندراج تحت تقابل التضادّ ، مع أنّ غاية الخلاف - لو
اعتبرت فيه - لا تتحقّق في جميع الأحكام ، بل التعاقب على موضوع واحد - المراد به
الموضوع الشخصي لا الماهية النوعية - ممّا لا معنى له فيها ؛ لأنّ متعلّقاتها لا يمكن أن
تكون الموجود الخارجي ، فلا معنى للتعاقب وعدم الاجتماع فيه .
وبهذا يظهر عدم التضادّ بينها ؛ بناء على أنّ الأحكام عبارة عن البعث والزجر المنشأين
بوسيلة الآلات الموضوعة لذلك ، كهيئة الأمر والنهي وغيرهما ، ولا شكّ في أنّهما -
حينئذ - من الاُمور الاعتبارية ، فلم تكن وجودية ولا حالّة في الموضوع الخارجي ، بل
قائمة بنفس المعتبر قياماً صدورياً ، فالتضادّ بين الأحكام ممّا لا أساس له ، فتدبّر . ( مناهج
الوصول 2 : 136 - 138 ) .