وأمّا الثاني : فكون شيء شرطاً للمكلّف به ليس بمعنى كونه مؤثّراً في
وجوده ، بل بمعنى أنّه من حدوده وقيوده .
فتارة : يكون المكلّف به هو عنوان " الصلاة " التي يقارنها الستر ، أو يتقدّم
عليها الوضوء مثلاً ، أو يتأخّر عنها شيء ، ومن هذا القبيل صوم المستحاضة ؛ فإنّ
المأمور به هو الصوم المتقيّد بكونه متعقّباً بالأغسال الليليّة .
وتارة : يتعلّق التكليف بعنوان بسيط ، غير منطبق بحسب الواقع إلاّ على
شيء ، يكون مقارناً أو مسبوقاً أو ملحوقاً بشيء .
وكلّ ذلك ممّا لا إشكال فيه أصلاً ، وليس في البين تأثير وتأثّر وعلّيّة
ومعلوليّة .
ومن ذلك يُعلم حال الوضع أيضاً ؛ فإنّ ما هو موضوع انتزاع النقل والانتقال
منه هو العقد المتعقَّب بالإجازة ، وليس العقد من قبيل العلّة المؤثّرة ؛ بمعنى ما
منه الوجود ، بل هو موضوع لأمر اعتباريّ عند العقلاء بلا تأثير وتأثّر في البين ،
كما هو واضح ( 30 ) .
هامش
30 - وهاهنا طريق آخر لدفع الشبهة وتحقيقه يتّضح بعد مقدّمة وهي : أنّ للزمان - بما أنّه
أمر متصرّم متجدّد متقضّ بذاته - تقدّماً وتأخّراً ذاتياً ، لا بالمعنى الإضافي المقولي ، وإن كان
عنوان المتقدّم والمتأخّر معنيين إضافيين ، ولا يلزم أن يكون المنطبق عليه للمعنى الإضافي
إضافياً ، كالعلّة والمعلول ؛ فإنّهما بعنوانهما إضافيان ، لكن المنطبق عليهما ؛ أي ذات المبدأ
تعالى - مثلاً - ومعلوله ، لا يكونان من الاُمور الإضافية ، وكالضدّين ؛ فإنّهما مقابل
المتضايفين ، لكن عنوان الضدّية من التضايف ، وذات الضدّين ضدّان .
فالزمان - بهويته التصرّمية - متقدّم ومتأخّر بالذات ، والزمانيات متقدّمة بعضها على
بعض بتبع الزمان ؛ فإنّ الهوية الواقعة في الزمان الماضي بما أنّ لها نحو اتّحاد معه ،
تكون متقدّمة على الهوية الواقعة في الزمان الحال ، وهي متقدّمة على الواقعة في
الزمان المستقبل ، وهذا النحو من التقدّم التبعي ثابت لنفس الهويتين ؛ بواسطة وقوعهما في
الزمان المتصرّم بالذات ، وليس من المعاني الإضافية والإضافات المقولية . فالحوادث
الواقعة في هذا الزمان متقدّمة بواقع التقدّم - لا بالمفهوم الإضافي - على الحوادث الآتية ،
لكن بتبع الزمان .
إذا عرفت ذلك يمكن لك التخلّص عن الإشكال ؛ بجعل موضوع الحكم الوضعي والمكلّف
به هو ما يكون متقدّماً بحسب الواقع على حادث خاصّ ، فالعقد الذي هو متقدّم بتبع
الزمان على الإجازة تقدّماً واقعياً ، موضوع للنقل ، ولا يكون مقدّماً عليها بواقع التقدّم التبعي
إلاّ أن تكون الإجازة متحقّقة في ظرفها ، كما أنّ تقدّم الحوادث اليومية إنّما يكون على
الحوادث الآتية ، لا على ما لم يحدث بعد من غير أن تكون بينها إضافة كما عرفت .
وموضوع الصحّة في صوم المستحاضة ما يكون متقدّماً تقدّماً واقعياً ؛ تبعاً للزمان على
أغسال الليلة الآتية ، والتقدّم الواقعي عليها لا يمكن إلاّ مع وقوعها في ظرفها ، ومع عدم
الوقوع يكون الصوم متقدّماً على سائر الحوادث فيها ، لا على هذا الذي لم يحدث ،
والموضوع هو المتقدّم على الحادث الخاصّ .
وبما ذكرنا يدفع جميع الإشكالات ، وكون ما ذكر خلاف ظواهر الأدلّة مسلّم ، لكن الكلام
هاهنا في دفع الإشكال العقلي ، لا في استظهار الحكم من الأدلّة . ( مناهج الوصول 1 :
341 - 343 ) .