وأما الأصل العملي فيختلف في الموارد ، فأصالة البراءة في مثل ( أكرم كل
عالم ) يقتضي عدم وجوب إكرام ما انقضى عنه المبدأ قبل الإيجاب ، كما أن قضية الاستصحاب وجوبه لو كان الإيجاب قبل الانقضاء .
شرح
ولكن لا يمكن المساعدة على هذا القول المذكور ، وذلك لعدم جريان
الاستصحاب في ناحية الموضوع في موارد الشبهة المفهومية ، كما هو المفروض في المقام ، وقد تعرّضنا لذلك في مبحث الاستصحاب ، وبيّنا أنّ ظاهر خطاب النهي عن نقض اليقين بالشكّ أن يحتمل الشخص بقاء ذلك المتيقّن الحاصل خارجاً ، بأن يكون المحتمل بقاء نفس ذلك الموجود الذي علم به ، وفي الشبهات المفهومية لا مشكوك كذلك ، فإنّه في المثال كان يعلم أنّ الذات المتلبّسة بالمبدأ ( عالم ) وبقاء تلك الذات محرز ، وعدم بقاء تلبّسها بالمبدأ أيضاً محرز ، فلا يكون شئ في الخارج مشكوكاً ، بل المشكوك صدق عنوان ( العالم ) على الذات المزبورة مع عدم بقاء تلبّسها بالمبدأ ، والاستصحاب لا يتكفّل لإثبات الاسم ومعنى اللفظ ، كما هو الحال في مسألة استصحاب بقاء النهار فيما إذا شك بانتهائه بغيبوبة القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية ، فإنّه مع عدم الشكّ في الخارج لا مجال للاستصحاب .
وأمّا إجراء الاستصحاب في ناحية الحكم ، الذي يظهر من الماتن الالتزام به في الفرض الثاني ، فبناءاً على جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية يختصّ جريانه بما إذا شكّ في سعة الحكم المجهول وضيقه من حيث تخلّف بعض الحالات التي يكون ثبوت الحكم للموضوع في تلك الحالات متيقناً ، كما إذا شكّ في تنجّس الماء الكثير بعد زوال تغيّره بنفسه ، حيث إنّ التغيّر في الماء يعدّ عرفاً من حالات الماء ، وإنّ الموضوع للتنجس عرفاً هو الماء ، فيجري استصحاب بقاء نجاسة الماء بعد زوال تغيّره ; لكون التغيّر عرفاً من حالات الماء لا من مقوماته .